فوائد من قصة يوسف مع امرأة العزيز
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
أيها الناس: لا شك أن مرحلة الشباب هي ذروة مراحل العمر، ولذا يُسأل العبد عن عمره فيما أفناه، ثم يُسأل سؤالًا خاصًا عن شبابه فيما أبلاه، مع أنه جزء من العمر، والأمر يكون أكثر جدية ويحتاج أكثر عناية في زمان كهذا الزمان الذي تلاطمت فيه فتن الشهوات والشبهات، وتتضاعف المسؤولية على الشاب في أن يبصر مواضع قدمه، وأن يبادر هذه الفتن بالأعمال الصالحة قبل أن يدلهمّ عليه الليل فتذهب به أهواء النفس كل مذهب، فلعل مشكلةَ تأجُّج الشهوة في تلك الحقبة من العمر وانتشار دواعيها مع كثرة المغريات هي واحدة من أكبر هذه المشكلات، وأهمها لدى الشباب..
وإذا كانت العفة مطلبًا شرعيًا واجتماعيًا صيانة للدين وحفاظًا على المجتمع بحفظ أهم طبقة فيه فلا يخفى صعوبة هذا المطلب في مثل زماننا، زمان الفضائيات والكليبات والشبكات العنكبوتية والتي تتكاتف جميعًا لعولمة النمط الثقافي والاجتماعي الغربي والشرقي غير المسلم بما فيه من إباحية وهدم للمنظومة الأخلاقية، ومغايرة للمفاهيم الإسلامية والشرقية.
وكل هذا يجب أن لا يحملنا على اليأس والاستسلام والرضا بالواقع، بل على العكس ينبغي أن يحث الهمم ويهيج على العمل لدرء الفتن وصيانة الشباب. ويبقى الأمل في نفوسنا وحسن ظننا بشبابنا بابًا ندخل منه لدعوتهم وتحفيزهم لتحصين أنفسهم ومجابهة الفتن والشهوات وعدم الرضوخ لها والوقوع في أسرها.
أيها المؤمنون.. وإننا حين نتحدث عن مواجهة الشهوة لا نتحدث عن أمر معجز يستحيل الحصول عليه، وإنما مطلب واقعي ممكن، وإن كان صعبًا. وقد قص علينا القرآن قصة من قصص الشباب مع الشهوة ليتخذ شبابنا منها قدوة وأسوة ودرسًا عمليًا في كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف، ويتعرف على الأسباب المعينة على الخلاص من ورطاتها. إنها قصة نبي الله يوسف عليه السلام.
إن الواقع الذي عاشه يوسف عليه السلام هو في الحقيقة أشد من أي واقع يقابله شاب منا، فلقد تهيأت له كل أسباب الفاحشة ودواعيها:
فالشباب والقوة والشهوة متوفرة؛ فقد كان في عنفوان شبابه، وهو يحتاج لتصـريف شهوته وهو عزب، ولا مصرف له حلال، وقد بذلت له ولم يسع إليها.. والمرأة جميلة؛ فهي زوجة العزيز ومثله لا يتزوج إلا بأجمل النساء.
ولا خوف من العقوبة؛ فالمرأة هي الطالبة والراغبة، وقد طلبت وأرادت بل وراودت، فكفته مؤنة التلميح أو التصريح بالرغبة.
ثم إنها قد أغلقت الأبواب عليهما ليكونا في مأمن، ولترفع عنه حرج الخوف من الفضيحة.
ثم هو غريب في بلد لا يعرفه أحد؛ فلا خوف من أن يفتضح، وهو خادم وهي سيدته، فهو تحت سلطانها وقهرها، فلا خوف من إجابتها إلى ما أرادت، بل يخاف إن لم يجبها أن يطوله أذاها.
وقد عانى عظم الفتنة وشدة الإغراء.. فالمرأة لا شك قد أعدت للأمر عدته وبيتته بليل وخططت له، فدخلت وأغلقت الأبواب كل الأبواب، وبدأت في المراودة، ومثل هذه لابد أنها تزينت بكل زينة وجمعت كل فتنة، فما ملك إلا الهرب، وأنقذه هذه المرة وجود سيده لدى الباب رغم أن ردة فعله كانت مخيبة للآمال.
ولقد تكرر الموقف لا شك مرات، وقد هددته وتوعدته وخوفته بالسجن، ورأى جرأتها على زوجها وقدرتها على الاحتيال لتنفيذ أمرها، وإصرارها على تحصيل مبتغاها في اتباع هواها وقضاء وطرها، والإعلان بذلك أمام النسوة في وقاحة وعدم حياء أو خوف، مع أمنها مكر زوجها؛ فهو ضعيف الغيرة، وهذا ظاهر من قوله: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف:29].
لقد أعلنتها صريحة: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [يوسف:32]. فما وجد يوسف الصدّيق بعد كل هذا إلا أن يعتصم بالله، وأن يقدم رضًا الله على هوى النفس، بل ويرضى بالسجن (وأرجو أن نلاحظ ذلك) ترك اللذة والشهوة، وآثر عليها السجن بما فيه، وهو لا يدري متى سيخرج منه، ولعله لا يخرج أبدًا، لكنه كان أحب إليه من رغبة الشباب ولذة الحرام، فأطلقها صريحة: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف:33].
إننا يا شباب نحتاج إلى استحضار هذا الموقف وأشباهه لنتخذه أنموذجًا يحتذى، ومثلًا يقتدى، ونتشبث بما تشبث به يوسف لننجو من أغلال الشهوة وذل المعصية.
لقد تمسك الصادق العفيف (يوسف) بأمور كانت سببًا بعد توفيق الله وحفظه في عصمته وصيانته، ولو تمسك بها كل واحد منا لبلغ بأمر الله بر الأمان كما بلغه يوسف:
أولها: خوف الله وتعظيمه ومراقبته.. فلقد كان في خلوة لا يراه من البشـر أحد، والضغوط كلها عليه، ومداخل الشيطان كثيره، فما بحث عن تبريرات، ولا استسلم لوخز الشهوات واستحضر في ذلك الموقف العظيم خوفه من الله تعالى ومراقبته له، وتعظيمه لحق الله تعالى فقال لما راودته بملء فيه: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾ [يوسف:23]، ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام:21]. وما أجمل هذا الخوف وما أجل عاقبته التي أخبر بها نبينا ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم: «... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله...»[1].
ثانيها: توفيق الله وحفظه لعبده:
فلما رأى الله تعالى منه صدقه وصبره صرف عنه السوء وصرفه هو عن السوء صيانة له وتكريما وجزاء على عفته: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف:24].
ثالثها: فراره عن أسباب المعصية وترفُّعه واستعلائه بعفته على أهواء النفوس:
فلما رأى منها ما رأى، وخاف على نفسه فر منها وهرب إلى الباب يريد الخروج، وهي تمسك بتلابيبه وهو يشد نفسه وينازعها حتى قدت قميصه من شدة جذبها له وشدة هربه منها.
وهذا الفرار هو أعظم أسباب النجاة، فالفرار من الأسواق المختلطة، والفرار من المتنزهات، والفرار من الخلوة بالأجنبيات، وصيانة النظر عن رؤية المحرمات والعورات، والبعد عن مواقع الشهوة والعري في النت والفضائيات، كلها من أسباب الثبات والفرار بالدين من الفتن.. وخلاصتها غض الأبصار عن الوقوع في حمى الأخطار.
| جُلُّ الحوادث مبدأها من النظرِ |
| ومعظم النار من مستصغر الشـررِ |
| كم نظرة بلغت من قلب صاحبها |
| كمبلغ السهم بين القوس والوتر |
| يسـرُّ مقلته ما ضـر مهجته |
| لا مرحبا بسـرور جاء بالضـرر |
ومن صدق الفرار أن يفر الواحد منا من قرناء السوء الذين يذكرونه بالمعاصي، ويحدثونه عنها وعن سبلها ووسائلها وكيفية الوصول إليها، بل ويمدونه بها وييسرونها عليه،، فهؤلاء معرفتهم في الدنيا عار وفي الآخرة خزي وبوار.
ومن أراد السلامة فليلزم أهل التقى ومواطن الخير وأصحاب العبادة كما قال العالم لقاتل المائة نفس: «ودع أرضك هذه فإنها أرض سوء واذهب إلى أرض كذا فإن فيها قوما يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم»[2].
رابعها: الدعاء والالتجاء إلى الله:
فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها ويصرفها كيف يشاء، فهو سبحانه القادر أن يثبت قلبك ويصرف همم أهل السوء عنك، والتوفيق كله بيده، والخذلان أن يكلك إلى نفسك. وقد علم يوسف ذلك؛ فالتجأ إلى الحصن الحصين والركن الركين: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٣٣﴾ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف:33-34]. فإذا أردت العصمة فاعتصم بربك: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران:101].
خامسها: تهويل خطر المعصية وعدم التهوين منه:
فقد رأى الكريم أن الفاحشة أمر عظيم وخطب جليل، وتجرؤ على حدود الله خطير، وتفكر في عقوبة الآخرة، فهانت عليه عقوبة الدنيا، فاختار السجن ومرارته على أن يلغ في عرض لا يحل له، أو أن يقضي وطرًا في غير محله: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف:33].
سادسها: الاعتصام بالإيمان:
فالإيمان يصون أهله ويحمي أصحابه، ومن حفظ الله تعالى حفظه الله في دينه ودنياه وأهله وأخراه، وما عصم يوسف عليه السلام إلا الإيمان بربه وصدقه معه وإخلاصه له، وقد سجل الله له ذلك فقال: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف:24].
أيها المسلمون: ومن أسباب العفة والعصمة: الزواج أو الصوم..
فلقد عالج رسول الله ﷺ مشكلة الشهوة عمليًا بدعوة القادرين على سرعة إعفاف النفس، وكذلك الآباء القادرين على سرعة تزويج أبنائهم لرفع الحرج عنهم وجلب الاستقرار النفسي والاجتماعي، فإن دعت الظروف وامتنعت القدرة فاللجوء إلى الصوم، فإنه يقطع الشهوة ويحطم جموح النفس، وهذه نصيحة نبوية: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصـر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»[3].
ومن الأسباب: تذكر عاقبة العفة..
وهو أمر معين للشاب على هجر الفاحشة ومقاومة الشهوة الجامحة أن يتذكر عاقبة العفة الدنيوية والأخروية. فأهل العفة هم أهل ثناء الله وفلاح الآخرة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴾ [الأعلى:14]. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون:5].. ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون:10-11].
وأهل العفة هم أهل المغفرة والأجر العظيم: ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:35]. وأهل العفة هم أهل الجنة: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة»[4].
ثم تذكر الإحساس بلذة الانتصار على النفس والشيطان، والتخلص من رقة المعصية ومذلة الذنب وكسرة النفس والقلب، وخوف عقوبة الآخرة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغُرر.
أما بعد:
يقول الإمام ابن القيّم الجوزية رحمه الله متحدثًا عن الفتنة بالصور:
(ونختم بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات وإذا فسد القلب فسدت الإرادات والأقوال والأعمال وفسد ثغر التوحيد.. والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع وكان الداعي ها هنا في غاية القوة وذلك من وجوه:
أحدها: ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله الى المرأة...
الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا وشهوة الشباب وحدته أقوى.
الثالث: أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر قوة الشهوة.
الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه.
الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث أن كل واحد من هذين الامرين يدعو الى مواقعتها.
السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها.
السابع: أنها طلبت وأرادت وراودت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب إليه.
الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.
التاسع: أنه لا يخشى أن تنمّ عليه هي ولا أحد من جهتها فإنها هي الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء.
العاشر: أنه كان مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه، وكان الأُنس سابق على الطلب، وهو من أقوى الدواعي وأخطرها..
الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال من النساء، فأرته إياهن وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن فقال ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف:33].
الثاني عشر: أنها تواعدته بالسجن والصغار وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد من يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.
الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلها به أن قال ليوسف ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ﴾ [هود:76] وللمرأة ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف:29] وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع.
وهنا لم يظهر منه غيرة، ومع هذه الدواعي كلها فلقد آثر مرضات الله وخوفه وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنا فقال ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف:33] وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصـرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.
ثم يقول ابن القيم: وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على الألف فائدة !! لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل). انتهى من كتابه الرائع الماتع: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، والذي ألّفه جوابًا على سؤال سائل وقع في العشق المحرم، فكان فيه أحسن جواب..
فالموفق من استعلى على هوى نفسه، وغض بصـره، وجاهد خطراته وأفكاره قبل أن تستحكم وتستفحل ويصعب علاجها، فإنها دركات كلما نزلت صعب الصعود منها، أو كخيوط العنكبوت لا تلبث مع الاسترسال فيها والتهاون بها أن تنقلب أغلالًا من حديد، عافانا الله وإياكم وكفانا بحلاله عن حرامه.
أيها الناس: إن دور الأسرة عظيم في غرس القيم والفضائل، والآداب والأخلاق، وتربية الجيل على العفة والصيانة، والصدق والأمانة، والترفع عن سفاسف الأمور ومرذول الطباع..
إننا ونحن ندعو شبابنا للعفة ومقاومة الشهوة لا ينبغي أن نغفل دورنا كآباء وولاة أمور، بل الواجب على الوالدين تيسير أسباب العفة للأبناء، ودفع غوائل الشهوة عنهم. وغرس الإيمان ومحبة الله وتعظيمه في القلوب بحسن التربية والتنشئة، وسد ذرائع الشهوة بإخراج آلات الفتنة واللهو والإغراء من البيوت، والعلاقة الأخوية ورابطة الصداقة مع أبنائنا التي تحمي من قرناء السوء، وحسن الاستماع والإنصات لمشكلات الأبناء، مع البحث عن العلاج السليم، مع فتح باب المصارحة لإيجاد أيسر الحلول من أقرب الطرق.. كلها معينات للأبناء، ولا تنسوا حديث رسول الله ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[5].
نسأل الله أن يصـرف عن شباب المسلمين كل مكروه وسوء. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
كما نسأله تعالى أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى.