إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله: لقد قصَّ الله علينا نبأَ أنبيائه، ومنهم ما قصه عن النبي الكريم موسى الكريم، الذي هو أكثر نبي قصّ الله سيرته واستعرض مسيرته في الدعوة إلى دين الله، والصبر على الأذى والعنت من بين إسرائيل، حتى أنه لم يذكر نبيًا في كتابه الكريم كما ذكر موسى الكليم عليه وعلى نبينا أتم الصلاة وأزكى التسليم، ذلك لما فيها من العظات والعبر لمن تدبّر واعتبر.
موسى بن عمران كليم الرحمن أحد أولي العزم من الرسل الذين قال الله فيهم: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف:35]، وهم المعنيون في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ﴾ [الشورى:13].
ربُّنا جل وعلا قصَّ علينا في القرآن نبأَ هذا النبي الكريم في معظم آي القرآن، ما بين مبسوط وما بين موجَز، وما كانت تلك القصة عبثًا، ولا مجرَّد تاريخ يُحكى، ولكنها العبر والعظات، ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف:111].
قصَّ الله علينا نبأ هذا النبي الكريم من حين وُلد، ذلك أنه عليه السلام وُلد في عامٍ كان فرعون يقتل فيه الذكورَ من بني إسرائيل، ويستبقي فيه النساء، ولكن الله جل وعلا حفظ هذا النبيَّ من كيدهم، حفظه من كيدهم، ووقاه شرَّهم، وتربَّى في بيت آل فرعون لما لله في ذلك من الحكمة البالغة.
عندما ولدته أمه ضاقت بها الأرض ذرعًا، وتعلمُ أنه إن عُلم به قتل، فأوحى الله إليها: ﴿ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ [القصص:7]، ترضعه، وتضعه في صندوق وتلقيه في البحر، ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص:7]. إنه وعدُ حقٍ لا شك فيه، ترضعه أمُّه وتلقيه في اليم، ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص:8]، ولكن الله ألقى في قلب امرأة فرعون محبته والشفقة عليه والحنان عليه، فصارت أعظمَ من أمه رفقًا ورحمةً به، ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف:21].
بُحث له عن مرضعة، ولم يلتقم ثدي أيِّ مرضعة، وامراة فرعون حريصةٌ على حياته وعلى سلامته، فحرَّم الله المراضع عليه لما له في ذلك من الحكمة، وتبعث امرأة فرعون من يبحث عن مرضعةٍ وإذا أخته تخبرهم عن مرضعة له، فجاؤوا بها فالتقم ثديَ أمه، وقرَّت أمُّه عينًا بوعد الله لها، فنعد ذلك قُرِّبت أمُّه وأكرمت، ولا يعلمون أنها أمه، وإنما يعدُّونها مرضعةً أجيرة، تأخذ أجرةً على الإرضاع، والله حكيم عليم فيما يقضي ويقدر.
بلغ هذا النبيُّ أشدّه واستوى وآتاه الله حكمةً وعلما، ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأنعام:84].
أمره الله أن يأتي فرعونَ الذي يقول: إنه الرب الأعلى، أن يأتيَه يدعوه إلى الله، وإلى عبادة الله، وأن يخلِّي بينه وبين بني إسرائيل. وشدَّ عضده بأخيه هارون، فأتيا إلى فرعون يدعوانه إلى الله، ويرشدانه إلى الحق، والله يقول لهما: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ [طه:44]. ولما خافا قال لهما: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ [طه:46]، فقوي قلب موسى، قوي قلبه، وعظمت ثقته بربه، فجاء لذلك الطاغية، يدعوه إلى الله وإلى عبادته، ويترك ما هو فيه من الباطل والضلال، ولكن فرعون لجَّ في طغيانه، وتمادى في باطله، وقال لموسى مستهزئًا: ﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ ﴾ [طه:49]، وقال: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء:23]، والله يعلم أن فرعون كاذب في دعواه، ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل:14].
دعاه إلى الله، وناظره وجادله، وأقام الحجة والبراهين على فساد طريقته، وأن ما هو عليه باطل وضلال، وطلب فرعون آيةً من موسى، وكان إذ ذاك، كان السحرة في عهد فرعون لهم الشأن والقوة، وكانوا المقدَّمين في الأمور، فأعطى الله موسى من الآيات الباهرات ما حيّر عقولَ السحرة كما سيأتي بيانه، فطلب آيةً من موسى، فأخرج موسى يدَه فإذا هي بيضاء تحاكي الشمس في قوَّتها وبياضها، وألقى عصاه فإذا هي حيَّة تسعى، فعند ذلك أصابَ فرعونَ ما أصابه من الخوف والخجل، وعلم أن ذاك حق، ولكن الشقاوة إذا غلبت على العبد فليس فيه حيلة، ﴿ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس:101].
أقام موسى يدعو فرعونَ إلى الله، وينشر دينَ الله، ويدعو إلى عبادة الله، ويقيم حجةَ الله على خلقه، إنها لدروس وعظات، إنها لدروس وإنها لعظة وعبرة، تبيّن للداعي إلى الله أن الدعوةَ إلى الله طريقُ الأنبياء والمرسلين، وأن الدعوةَ إلى الله لا بد للداعي فيها من صبر وقوةِ جأش وتحمُّلٍ لكل الأمور، ولا بد من علم وحجج يقيمها على المعاند، ولا بد من يقين أن الله ناصرُ دينِه، ومعلٍ كلمتَه، وأن الباطل مهما عظُم فإن الباطل زهوق، ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ [الأنبياء:18]، ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء:81]، وبالصبر والثبات والاستمرار على الخير يتحقَّق بتوفيق الله للعبد ما يريده، إما هداية، وإما أن يلقى الله على ما هو عليه من الخير، ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:47]، ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات:171-173].
استمرَّ موسى في دعوته، ومضى في طريقه، فضاق بفرعون الأرضُ بما رحبت، وعلم أن استمرارَ موسى في هذا المنهج سيقضي عليه وعلى أتباعه؛ لأن موسى جاء بحق، وفرعون على باطل، وفرعون يتناقض باطله، تحوّل موقف الكبرياء والعظمة بالإنكار، ثم طلبوا المناظرة والآيات، مما يدلُّ على تناقض الباطل وضعفه أمام قوة الحق والهدى.
طلب من موسى المناظرة، وأن يجتمعا في يوم من الأيام في يوم الزينة، ليَظهر مَن المحق من المبطل، وحشد السحرةَ على اختلافهم، ووعدهم ومنَّاهم أنهم المقرَّبون عنده، وأن لهم النفوذَ عنده، فأجابوه واجتمعوا هناك، اجتمع فرعون وسحرته وجنده، وجاء موسى يحمل عصاه وحده،﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴿٦٥﴾ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴾ [طه:65-66]، فعند ذلك امتلأ الوادي من العصـي، وامتلأ من كل شيء، ظنَّه من يراه حقيقة، ولكنه تخيّلٌ وسحر من أنواع السحر، ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ ﴾ [طه:67] مما رأى وشاهد، فقال الله له: ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ ﴾ [طه:68]، وأمره الله أن يلقيَ عصاه التي يحملها، ﴿ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ [طه:20]، أتت على كل ما في الوادي فابتلعته كلَّه، فرأى السحرة بقوة فكرهم وعقولهم أن هذا أمرٌ لا قدرة لهم به، وآيةٌ لا يستطيعون مقاومتَها، وأن هذا أمرٌ ربانيٌّ هم عاجزون أن يقفوا أمامه؛ عصًا يحملها في يده، يلقيها فتفتح فاها فتلتقم كلَّ ما في الوادي!! ولولا هروب البشر لالتقمتهم معه. إنما لمعجزة عظيمة، وآية عظيمة، خرَّ السحرة لله سٌجدًا، ﴿ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ ﴾ [طه:70]، وتوعَّدهم فرعون وتهدَّدهم، ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ [طه:72-73]، دخلوا الجنةَ وما عملُهم إلا سجدةٌ سجدوها لله، فختم الله بها أعمالهم، وعذبهم فرعون إلى آخر ذلك.
أيها المسلم: إن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه، وإن الباطل أمام الحق ضعيف، لكن إذا وُجد أهل الحق والهدى، ذوو الصبر والتقى والإخلاص لله، واليقين بنصر الله.
إن السحرة أمام الحق ذهب سحرهم، وتبعثر سحرهم، ذاك أن الساحر إنما عمدته شركٌ بالله، واستعانة بالشياطين، واستعمال الأمور التي يُظَن أنها حقائق، ولكنها باطل وكذب، فالساحر أمام صاحب الحق لا بد أن ينهار، وإذا قرئ القرآن عليه بَطُل سحره وذهب باطله الذي كان رائجا عنده. إن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه، إنها دعوةُ موسى وسائر أنبياء الله، تلكم الدعوات الصادقة التي أخلص فيها أنبياء الله في دعوتهم، وصدقوا الله في دعوتهم، فوفقهم الله وأعانهم.
وبعد ذلك ما زال فرعونُ في مكيدته بموسى ومن معه، فعزم موسى على مفارقة دار فرعون، وخرج وقومُه يقصدون البحر، فجاء فرعون بقوته ليقضي عليهم، فلما قرب من البحر قال له قومه: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء:61-62]، وأوحى الله إليه: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴾ [الشعراء:63]، فضربه بعصاه، فانقسم البحر إلى أثني عشر طريقًا، عِدَّةَ قوم موسى، سلكوه آمنين مطمئنين، ﴿ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ﴾ [طه:77]. رأى فرعون تلك المعجزةَ فظنَّ أنه سيظفر بها، فتقدَّم فلما اكتمل عددُهم أمر الله البحر فأطبق عليهم فأغرقهم، فلما أحسَّ بذلك قال: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس:90]، فانظر إلى نصر الله، وتأييده لنبيه، وهكذا المسلم الداعي إلى الحق والهدى إن هو صدق في دعوته، وتحمَّل كلَّ المشاقِّ في دعوته، وكان صادقا محتسبًا، على حقٍ ومنهجٍ قويم، فالنصـر لأولياء الله، ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر:51].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفره وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله: لما أنجى الله موسى وأغرق فرعونَ صام موسى عليه السلام يومَ العاشر من محرم شكرًا لله على نعمته وفضله عليه بإنجائه وقومه وإغراق فرعونَ وقومه، صامه موسى عليه السلام، وتلقته الجاهلية من أهل الكتاب، فكانت قريشٌ تصومه في جاهليتها، وكان النبي يصومه معهم.
قدم المدينةَ مهاجرًا، واليهود إذ ذاك بها، فوجدهم يصومون اليوم العاشر، سألهم: ما سبب الصيام؟ قالوا: يومٌ أنجى الله فيه موسى ومن معه، وأغرق فرعونَ ومن معه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصوم، قال لهم: «نحن أحق وأولى بموسى منكم»[1]، نحن أحق وأولى بموسى من أهل الكتاب. أجل، إن محمدًا وأمته أولى بموسى وأولى بكل الأنبياء؛ لأنهم آمنوا بالأنبياء، وصدَّقوا رسالاتهم، ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [البقرة:285]، ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:68]، فصامه محمدٌ شكرًا لله على ما منحه موسى عليه السلام، فصامه وأمر الناس بصيامه، وأرسل إلى قرى الأنصار: «من أصبح صائمًا فليتمَّ صومَه، ومن أكل فليتمَّ بقيةَ يومه»[2]، فلما افتُرض رمضان أخبرهم أن من شاء صام، ومن شاء لم يصم، لكنه رغَّبنا في صيامه فيقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «ما رأيت رسول الله يصوم يومًا يتحرَّى فضلَه على الأيام من هذا اليوم، يعني: يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني: شهر رمضان». وقال أبو قتادة: قال رسول الله: «صوم يوم عاشوراء أحتسبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله»[3].
صام تسعَ سنين صامَ عاشوراء، وفي العام الأخير قال: «لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسعَ»[4]، يعني مع العاشر، وتوفي قبل أن يصومه، وقال لنا: «صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده، خالفوا اليهود»[5]. نسأل الله أن يوفقنا لكل عمل صالح.
أيها الإخوة: قد يورد إنسانٌ سؤالًا فيقول: صُمتم يومَ عاشوراء لأن موسى صامه؛ لأن الله أنجاه من فرعون وأغرق فرعون، أفلا نصوم يوم مولد النبي؟! أفلا نصوم صبيحة ليلة الإسراء؟! أفلا نصوم يومَ الهجرة؟! أفلا نصوم يوم البعثة؟!
نقول: يا أخي، إن عبادتنا ليست بأهوائنا واستحساننا، وإنما نعبد اللهَ على ما شرع لنا على لسان نبيه، فلو شرع لنا صيامَ يومِ المولد بذاته لقلنا: نعم، لكن شرع لنا صيامَ يوم الاثنين؛ لأن النبي رغَّبنا فيه وأنه يوم أوحِي إليه فيه، ويوم بُعث فيه، لكن ما شرع لنا أن نتعبَّد بيوم مولد أو بيوم هجرة، إنما نحن نصوم كما أُمرنا، فصيامنا يومَ عاشوراء اقتداء نبينا، وصيامنا يومَ الاثنين ويومَ الخميس اقتداء بالنبي، فعباداتنا لا تنطلق من مجرَّد أهوائنا، إنما هي من تشـريع الله لنا، فلو كان مولد النبي وافقَ اليومَ الثاني عشر من ربيع الأول يوم الجمعة أو يوم السبت أو يوم الأحد أو يوم الثلاثاء أو يوم الأربعاء قلنا: لا يشرع لنا صيام ذلك اليوم؛ لأن النبي ما علق الصوم بذات الولادة، إنما شرع لنا صيام يوم الاثنين في عموم السنة، شكرًا لله على إنزال الوحي إليه وعلى بعثته، لكن لو كان للثاني عشر في غير يوم الاثنين لم يُشـرع لنا الصيام لأن الصيام يوم الاثنين لم يختص بشهر معين، وإنما صيامه عام في السنة، والمسلم يتبع ولا يبتدع، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب:21].
واعلموا رحمكم الله أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
وصلوا رحمكم الله على عبد الله ورسوله محمد امتثالا لأمر ربكم حيث يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / عبد العزيز آل الشيخ