حجم الخط:

المنجيات والمهلكات

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، فأهل أنت أن تحمد، وأهل أنت أن تعبد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا حياة إلا في رضاه، ولا صلاح إلا في هداه، شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالإلهية كل مصنوعاته، تسبح له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]. وأشهد أن نبينا وقدوتنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، عليه من ربه أزكى سلام وأفضل صلاة، ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه.

أما بعد:

فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فإنها وصيته سبحانه للأولين والآخرين من عباده، فنعم الموصي ونعم الموصى ونعمت الوصية.

بتقوى الله يتحقق تاج السعادة، وفي ظلالها ينال وسام السيادة، وعلى ضوء سناها تحصل الريادة، ومن ذرى عليائها تنطلق دفة القيادة قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٨﴾ [الحديد:28].

عباد الله: يقول نبينا ﷺ: «ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات؛ فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر؛ وأما المهلكات: فشُحٌّ مُطاع، وهوىً مُتَّبَع، وإعجاب المرء بنفسه» رواه البيهقي وحسنه الألباني.

هذه المنجيات الثلاث التي كان النبي ﷺ يسألها ربه فيقول: «اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر»[1].

ذكر في الحديث ثلاثة أمراض مهلكة، وبإزائها ثلاثة علاجات لهذه الأمراض، فخشية الله مقابلة لاتِّباع الهوى؛ لأنها تمنعه، ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ [النازعات:40-41]، وذكر القصد في الغنى والفقر بإزاء الشح المطاع، وذكر كلمة الحق في الغضب والرضا بإزاء إعجاب المرء بنفسه.

إن تقوى الله وخشيته بالسر والعلانية ملاك الأمور، فيها مراقبة العلام على الدوام، والاستحياء منه سبحانه وتعالى؛ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2]، أي: ينجيه من كل كرب، ولو كانت السموات والأرض رتقًا على عبد فاتقى الله؛ لجعل له من بينهما مخرجا.

وهكذا جعل الله للمهاجرين الفرج، وجعل لأم إسماعيل الفرج، وجاء بالفرج لعباده الثلاثة في الغار، وكذلك نجى جريجًا بعدما شفى أيوب، ولا يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم، قال إسحاق الغزواني: (زحف إلينا أزدمهر -من قادة الفرس- عند مدينة الكيرج في ثمانين فيلًا، فكادت تنفض الخيول والصفوف -يعني: صفوف المسلمين-.

فكَرِب لذلك محمد بن القاسم -قائد المسلمين-، فنادى عمران بن النعمان أهل حمص وأمراء الأجناد فنهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور نادى مرارًا: لا حول ولا قوة إلا بالله! فكف الله الفيلة، وسلط عليها الحَر، ففزعت إلى الماء، وتركت الساحة، فحملت خيل المسلمين، وكان الفتح بإذن الله).

فمهما كان عند العدو من عدد وعُدد فإن المسلمين إذا اتقوا الله ذهب الله بسلاح الكفار، وجعل الدائرة عليهم؛ المؤمن على خير، ترحب به الأرض، وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه في بطنها إذا أحسن على ظهرها؛ يا عبد الله! لن يساء إليك في بطنها إذا أحسنت على ظهرها.

والقول بالحق في الرضا والسخط، يعني: أن نقول الحق في الغضب، في الرضا، على نفسك، على قريبك، أين ما كنت؛ وهكذا يقول الحق ولا يبالي، الإسلام يربي المسلم على هذا المبدأ؛ لأن قول الحق مهم، إذا لم يقل الإنسان بالحق خفي الحق، وظهر الظلم، وانحسـر العدل، وذهبت الحقوق، وضاعت الأمور.

فلابد أن يُربي الإنسان نفسه على قول الحق، وأن نربي أولادنا من الصغر على قول الحق، ولذلك لو أنك سألت ولدك من كسر كذا؟ فصدق معك، وقال: أنا، ربما تكون عدم معاقبته مكافأة على صدقه؛ فيتعود الصدق، بينما لو عاقبته مباشرة -هذه قضية تنشأ من الصغر-يا عباد الله- وهذا القول بالحق عزيز؛ لأن النفس تدعو إلى قول الباطل؛ لتحصل على ما ليس لها.

كان الصحابة قوالين بالحق، حتى عندما يُظلم الواحد منهم لا يتعدى في الانتصار؛ لما جاء رجل إلى عمر وافترى على سعد وقال: إن سعدًا لا يسير بالسرية -يعني: تارك الجهاد في سبيل الله-، ولا يقسم بالسوية -يعني: هو أمير علينا لا يعدل-، ولا يعدل في القضية.

فقال سعد: «أما والله لأدعونَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا -بالاحتياط في الدعاء، بعض الناس إذا أراد أن يدعو على شخص أسرف وفجر- قال: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة؛ فأطل عمره، وأطل فقره، وعرِّضْه للفتن». فكان هذا الرجل بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، يتعرض للجواري بالطرقات وقد سقط حاجباه على عينيه من كبر السن، هكذا ينظر إليه الناس.

عباد الله: ومن الواجب قول الحق ولو كان في الأعداء؛ لمّا بعث النبي عليه -الصلاة والسلام- عبد الله بن رواحه إلى خيبر يخرص عليهم -اليهود أبقاهم في خيبر يعملون على شيء والباقي للمسلمين-، فعبد الله بن رواحه يحسب الآن ثمار الأشجار، جعلوا له حليًا من حلي نسائهم رشوة، فقالوا له: هذا لك، وخفف عنا، وتجاوز في القسْم، فقال لهم: «يا معشـر اليهود، أنتم أبغض الخلق إليّ، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم» -يعني: أنتم أبغض إليّ من أعدادكم من القردة والخنازير، ولكن لا يحملني بغضـي لكم على أن أجور عليكم-، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

أثنى الله تعالى على أنبيائه: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص:45]، قوة في تنفيذ الحق: أولي الأيدي، وبصيرة في الدين.

والحديث يقول ثالثًا: «القصد في الغنى والفقر»، بعض الناس إذا جاءه المال أسرف، وإذا قل عنده بخل، ما عنده ميزان ولا ميزانية، قال: (والقصد في الغنى والفقر)، حسن تدبير، قوة عقل، اقتصاد، ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، ﴿ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان:67].

وهكذا كان الاقتصاد من النبوة، (كفى بالمرء سرفًا أن يشتري كل ما اشتهى)، كما قال عمر: أكلما اشتهيت اشتريت؟ ولذلك قال العلماء: الاقتصاد خلق محمود، يتولد من خلقين: العدل والحكمة، فبالعدل يعتدل، وبالحكمة يضع الأشياء في مواضعها؛ فالإمساك في موضع الإنفاق مذموم، والإنفاق في موضع الإمساك مذموم، مثال على الإنفاق في موضع الإمساك: الإنفاق في المحرمات، لا تنفق ولا ريالا.

قال: (وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه)، الشح: منع الحقوق، الشح: يشمل البخل، لكن الشح أسوأ من البخل، كيف؟ يقول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «الشح أشد من البخل، الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه، وهذا يفعله البخيل، ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه».

ففي هذا يفوق الشحيح البخيل سوءًا، فهو يأخذ ما في أيدي الناس، يأخذ حقوق الناس، ويمنعهم حقوقهم. هكذا إذًا: (شحًا مطاعًا)، خصلة ذميمة، خلة شنيعة، شدة الحرص توجب البخل والظلم، ومنع الخير، بل وكراهية الخير.

والنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج»[2]؛ وقال: «لا يجتمع الشح والإيمان في جوف عبد»[3]؛ و«شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع»[4].

من القصص التي فيها عبرة فيما جاء عن سلفنا: دخل الحسن البصري على رجل يعوده في مرضه، فرآه يصوب بصره في صندوق في بيته ويصعده؛ ثم قال الرجل للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدِّ فيها زكاة، ولم أصل منها رحمًا؟ قال: (ثكلتك أمك! ولمن كنت تجمعها؟! قال: لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة.

ثم مات الرجل، فشهده الحسن، فلما فرغ من دفنه قال: انظروا إلى هذا المسكين أتاه شيطانه، فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته عما رزقه الله إياه، وغمره فيه، انظروا كيف خرج منها مسلوبًا محزونًا!).

ثم التفت إلى الوارث -السلف يوصون الورثة في المقبرة- وقال له: (أيها الوارث، لا تخدعن كما خُدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالًا -يعني: من طريق الميراث-، فلا يكونن عليك وبالًا، أتاك عفوًا صفوًا ممن كان له جَموعًا مَنوعًا من باطل جمعه، وحق منعه؛ قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، لم تكدح أنت فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإن من أعظم الحسرات غدًا أن ترى مالَك في ميزان غيرك! فيالها من عثرة لا تُقال، وتوبة لا تُنال!).

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، نسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين؛ أشهد أن لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صَلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: ينبغي على المسلم أن يكون كريمًا بخلقه، كريمًا بماله، كريمًا بجاهه، كريمًا بعلمه، يقدم ولا يسأل الناس شيئًا، وسيبقى البخل وصمة عار، وإمساك الحقوق مسبة.

هذا الشح يورث قطيعة الرحم، والظلم، والبغي، والعدوان، ويجرِّئ على المعاصي، ويغضب الرحمن، ويهلك الإنسان، «إياكم والشح، فإنما أهلك من قبلكم الشح»[5]؛ ويورث الشح منع الحقوق، والبخل من الشح، قالت أم البنين -أخت عمر بن عبد العزيز-: (أفّ للبخل! والله لو كان طريقًا ما سلكته، وثوبًا ما لبسته).

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشـر:9]، عبد الرحمن بن عوف كان يُكثر من الدعاء في الطواف: «اللهم قني شح نفسي». فقال له رجل: ما أكثر ما تدعو بهذا! قال: «إذا وقيت شح نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة».

وذكر بعض أهل العلم: أن جماعة من المحدثين منهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وحُبيش بن مبشر الثقفي جلسوا يومًا فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا، فلا بد أن يكون البخل يورث الفسق، ويورث الفساد، والذي لا يُعطي سيبقى هذا عارًا عليه.

قال الشاعر:

أَمِنْ دَارِ الكِلابِ تَرومُ عَظْمًا؟

لَقَدْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْـمُحَالِ!

وقال عمرو بن الأهتم يدعو زوجته أن تترك لومه في بذله وكرمه:

ذَرِيني فِإِنَّ البُخْلَ يَا أُمَّ هَيْثَمٍ

لِصَالِحِ أخْلاقِ الرَّجَالِ سَروقُ

ذَرِينِي وَحَظِّي فِي هَوَايَ فَإِنَّنِي

عَلَى الحَسَبِ العَالِي الرفيعِ شَفُوقُ

وَمُسْتَنْبِحٍ بَعْدَ الهُدُوءِ دَعَوْتُهُ

وَقَدْ حَانَ مِنْ نَجْمِ الشِّتَاءِ خُفُوقُ

فقالت الزوجة الصالحة -وهذا أثر أهل البيت في تثبيت الإنسان على خير في نفسه-:

فقُلتُ لَهُ: أهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا

فَهذا مَبِيتٌ صَالِحٌ وَغَبُوقُ

لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلادٌ بِأهْلِهَا

وَلَكِنَّ أخلاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ

الهوى المتبع خطير جدًا، الهوى ما تميل إليه النفس، الهوى يهوي بصاحبه في النار، الهوى يُتّبع، يجذب، ولكن يسحب إلى الدركات، صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى، إذا تكلم فبهواه، وإذا صمت فبهواه، وإذا أعطى فلهواه، وإذا منع فلهواه، يعيش لهواه، يُعميه ويصميه.

إن المأسور مَن أسره هواه، ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43]، فأنت اليوم ترى أصحاب العلاقات على الشبكات وفي الاتصالات يتبعون الهوى، فهذا يصاحب امرأة، والله قال: ﴿ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25]، غير مسافحين ولا متخذي أخدان.

لقد دخل الهوى في العلاقات الشخصية، فصِرتَ ترى المحادثات والمكالمات والعلاقات مبنية على الهوى، يستجريهم الهوى، يتقاذفهم الهوى ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص:50].

في البدع والضلالات الهوى، ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23]، وهكذا الذين يتيحون المجال للهوى أن يتلاعب بهم. أهل البدع حذر السلف من مجالستهم، لا تجالسوا أهل الأهواء، الهوى يجذب، ولكن الذي يمنع نفسه من الهوى ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

قالوا: إن شخصًا كان يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة، فمشى إلى جانبها ثم قال:

أَهْوَى هَوَى الدِّينِ واللَّذاتُ تُعْجِبُنِي

فكيفَ لي بِهَوَى اللَّذَّاتِ والدِّين؟

نريد أن نجمع بين المتناقضات، نجمع بين الصلاة في المسجد ورؤية الأفلام الإباحية! نريد أن نجمع بين الأدعية والاستغفار وقراءة القرآن وإقامة العلاقات المحرمة، ونريد أن نجمع بين الصدقات والزكاة وبين الربا!.

أَهْوَى هَوَى الدِّينِ واللَّذاتُ تُعْجِبُنِي

فكيفَ لي بِهَوَى اللَّذَّاتِ والدِّين؟

أنا أطوف حول الكعبة وأنظر إلى النساء الأجنبيات، فكيف لي بهوى اللذات والدين؟! فقالت المرأة: دع أحدهما تنل الآخر. لا مجال للجمع بين النقيضين، دع أحدهما تنل الآخر. الذي يُفكر بالجمع بين نقيضين لا يمكن، يكذب على نفسه، يكذب على الله قبل ذلك. وإذا تأملت حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كل واحد منهم خالف هواه، فنال تلك الرتبة.

قوله في الحديث: «وإعجاب المرء بنفسه»، هذه مصيبة! فمن الناس من يُعجَب بذكائه وتفكيره وعبقريته ورأيه، منهم من يُعجب بخطه، منهم من يُعجب بعضلاته وجسده وقوته، منهم من يُعجب بمنصبه، منهم من يُعجب بماله، منهم من يُعجب بأولاده، منهم من يُعجب بخدمه، منهم من يُعجب ببيته ومركبه، إعجاب المرء بنفسه قاتل.

رأى محمد بن واسع ابنًا له يمشي مشية منكرة فقال له: تدري بكم شُريت أمك؟ لأن أمه كانت أمة، بثلاثمائة درهم، وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله، وأنت تمشي هذه المشية! قال بعضهم: (رأيت في الطواف رجلًا بين يديه خُدام يمنعون منه الناس، ثم رأيته بعد ذلك على جسر ببغداد ذليلا يسأل الناس، فتعجبت منه، فقلت: أنت الذي كنت في مكة؟! قال: نعم، إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه).

عباد الله: ما الذي يملكه الإنسان حتى يُعجب بنفسه؟ رأى مالك بن دينار رجل يمشـي بخيلاء، فنهاه، فقال الرجل: ألا تدري من أنا؟ قال: (نعم، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة).

لقد كان الصالحون لا يرون أنفسهم شيئًا، بل يحذرون أشد الحذر أن يهلكهم العجب والكبر، أو أن ينظروا إلى أنفسهم نظرة إكبار، وإلى غيرهم نظرة احتقار.

قيل لأحمد بن حنبل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا. فقال: (بل جزى الله الإسلام عني خيرًا، من أنا؟ وما أنا؟) وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله فيهم. فقال: «اسكت، لا يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم».

Adobe Systemsنسأل الله أن يرزقنا التواضع، والقناعة، وأن يهدي قلوبنا، ويسدد نياتنا..

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة