حجم الخط:

القدوة الصالحة والأسوة الحسنة

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله ليس لفضلِه مُنتهى، ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴿٥﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ ﴿٦﴾ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ [طه:5- 8]، أحمده سبحانه وأشكرُه، نعمُه لا تُحصَـى، وجودُه لا يُستقصَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المبعوثُ بالرحمة والهُدى، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، سلَّم عليه الشجر، وسبَّح بين يدَيه الحصَى، وعلى آله السادة الطيبين النُّجبَاء، وأصحابِه الغُرِّ الميامين الأصفِياء، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وسارَ على نهجِهم فاهتدَى.

أما بعد:

فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسـي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله-، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281].

أيها الناس: القُدْوة الحسنة أو القدوة الصالحة، أو المثل الأعلى في دنيا الناس..

يقول تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

لقد فطر الله الناس على أن يتشبه بعضهم ببعض، قال ابن تيمية: (كم من الناس من لم يُرد خيرًا ولا شرًا حتى رأى غيره - لا سيما نظيره - يفعله ففعله؛ فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض؛ ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشـر له من الأجر والوزر مثل من تبعه).

ومن هنا كانت حاجة الناس ماسةً إلى القدوة، فاختار الله برحمته لهم أفضل الخلق ليكون لهم أسوة.

إن منهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصـرفاته، فيحوِّله إلى واقع محسوس وعمل ملموس، ولذلك فالمسلم لا يتخبط في اختيار قدواته كما يتخبط غيره، لأن الله قد اختار له أفضل قدوة على الإطلاق، خير البشـر وأكملهم خُلقًا وأرجحهم عقلًا وأصدقهم حالًا ومقالًا، أرحم الخلق بالخلق وأتبعهم للحق، بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج- ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة وأفضل أسوة لكل الأمة. فمن كان يرجو لقاء ربه والفلاح في الدنيا والآخرة فلا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

لقد أرسل الله نبيه محمدًا ليغير مجرى التاريخ، ويبيض وجه الأرض، وينظم شؤون الحياة‏، بالوحي الذي جاء به من عند الله، فتجمعت في شخصه الكريم كل الصفات الحميدة، والأخلاق الحسنة التي تفرقت في البشر السوي... !! كان مع ربه العبد الطائع، وكان مع الناس الفقير الجائع، وكان مع زوجاته المحب الودود، وكان مع جيرانه الكريم الجواد وهذه إنما تتوفر في القائد القدوة.

إن رحمة الله نالت رسول الله ونالت كذلك صحابته الكرام فجعلته رحيما بهم، لينا معهم، ولو كان فظا غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب، ولا تجمعت حوله المشاعر، فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم... ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]

لقد كان أبا روحيا ورب أسرة يقوم على شؤونها لا المادية فقط وإنما النفسية والاجتماعية، والأخلاقية والسلوكية. «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» صحيح.

كما كان رجلًا عابدًا لله عز وجل وكأنه ما خلق إلا للعبادة وحدها فيقوم الليل حتى تتورم قدماه، فيُسأل في ذلك فيقول «أفلا أكون عبدا شكورا» ومن هنا يجب أن يكون هو القدوة لكل من أراد أن يقتدي ويقود، لمن أراد أن يهتدي ويسود، لمن أراد أن يَصلُح ويُصلِح.

إن محمدا عليه الصلاة والسلام هو الإنسان الفذ الذي يستطيع بمنهاجه أن يقود العالم، ويستطيع بسيرته أن يحشد خلفه الشعوب، والقاسم المشترك بينه وبين الناس هو العقل الصاحي والقلب السليم، واشتراك الأرض مع السماء في التسبيح بحمد الخالق والثناء عليه بما هو أهله، وإعلان السمع والطاعة له وحده.

كان عليه الصلاة والسلام فصيحًا بليغًا في قوله، صادقًا سويًا في فعله. قال عنه أبو بكر رضي الله عنه: «طفت العرب وسمعت إلى فصاحتهم فلم أجد أفصح من رسول الله لسانًا». وقالت عنه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن، أو كان قرآنا يمشي على الأرض». وقالت له السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتَقْري الضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» متفق عليه.

وقال عنه القرآن: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15] فهو النور، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] وكان وصف الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة «أنت عبدي ورسولي. سميتك المتوكل. ليس بفظٍّ و لا غليظ. ولا صخاب في الأسواق. ولا يدفع السيئة بالسيئة. ولكن يعفو ويصفح. ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بان يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا»، أخرجه الإمام البخاري في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45].

إن محمد هو القدوة الصالحة التي أصلحت الكون كله سياسيا واجتماعيا وصحيا واقتصاديا ونفسيا، وفي كل شؤون الحياة، فانتشر الأمن والأمان، وعم العدل الإحسان، حُفظت الحدود، وتحققت العهود، وأديت الحقوق، وعلا القران، زاد الإيمان، فمن أراد أن يقتدي ومن أراد أن يُصلح ومن أراد أن يغير.. !! من هنا يبدأ الإصلاح. ! ومن هنا يبدأ التغيير.. !! ومن هنا يبدأ الحل لكل مشاكل الحياة... !!! ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

إن حاجة العالم إليه الآن حاجة المريض إلى الشفاء، والعطشان إلى الماء، والعليل إلى الدواء، والنظر تتمناه العين العمياء. ولقد صدق أحد أشهر الأدباء الغرب حين قال بعد أن استقرأ السيرة العطرة للنبي الخاتم: (لو كان محمد حيًا لحلّ مشاكل العالم كله وهو يحتسـي فنجانًا من القهوة!).

لقد كانت حياة النبيّ نموذجًا بشريًا متكاملًا في جميع المراحل وفي جميع جوانب الحياة العملية، ونموذجًا عمليًا في صياغة الإسلام إلى واقع يشاهده الناس ويقتدون به، كانت حياته قبل البعثة وبعدها حياة شريفة، أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزهًا وتكرمًا حتى صار معروفًا بالأمين. لقد نشأ سليم العقيدة، صادق الإيمان، عميق التفكير، غير خاضع لترهات الجاهلية، فما عُرف عنه أنه سجد لصنم، أو تمسح به، أو ذهب إلى عرّاف أو كاهن، بل بُغِّضت إليه عبادة الأصنام، والتمسح بها. وكذلك بُغِّض إليه شرب خمرًا قط، فلم يتناوله قط.

هذا هو النبي العظيم، الذي أحب أمته وأحبته أمته، فلا بد من اتخاذه قدوة مثلى وتقديم محبته وأقواله وأوامره على من سواه: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُهُ أَحَبَّ إليه مما سواهما..: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] وفي الحديث «المرء مع من أحب» البخاري. ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]. إن محبة الرسول أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إلا به: «والذي نفسـي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». البخاري.

إن القدوة المُطْلَقة هو النبيُّ وغَيْرُ النبيِّ يُقتَدى بهم على قدْر موافقتهم لما جاء به النبيُّ فيُقتدى بهم على قدْر إِرْثهم من العَمل النبويِّ، وخيرُ مَن يُقتدى به بعد النبي الصحابةُ، الذين جمَعوا بين العلم والعمل، ومَن أتى بَعدهم من الصادقين من هذه الأُمَّة.

فيا شباب الإسلام، لا تسيروا دون إرادة ولا تفكير وراء أي قدوة.. فقدوتك لا تحدِّد فقط مصيرك في دنياك، بل تؤثر -وبصورة أكبر- على آخرتك، فاختر رفيقك تختر طريقك، وحدد قدوتك تحدد مصيرك. أسأل الله لنا جميعًا الهداية والرشاد.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، وبعد:

يذكر أنه انتقل امام أحد المساجد في بريطانيا الى لندن، وكان يركب دائمًا من منزله الى المسجد، وخلال تنقله بالحافلة كان كثيرًا ما يركب نفس الحافلة فيلتقي بنفس السائق، وذات مرة دفع أجر السائق وجلس فاكتشف أن السائق أعاد له 20 بِنسًا زيادة عن المبلغ المفترض.

فكر الامام وقال في نفسه: عليّ ارجاع المبلغ الزائد لأنه ليس من حقي، ثم فكر مرة اخرى وقال في نفسه: المبلغ زهيد وضئيل ولن يهتم به أحد، كما أن الحافلات تحصل على الكثير من المال ولن ينقص عليهم شيئًا هذا المبلغ وسأحتفظ به واعتبره رزقا من الله وأسكت..

توقفت الحافلة عند المحطة التي يريدها هذا الإمام، ولكنه قبل أن يخرج من باب الحافلة قرر أن يردّ المبلغ الزائد للسائق، فمد يده وأعطى السائق العشـرين بنسًا وقال له: تفضل، اعطيتني اكثر مما استحق من المال. سأله السائق: لماذا أعدت هذا المبلغ الزهيد؟ قال الامام: لأنه ليس من حقي وأنا رجل مسلم، والمسلم ملزم بأن يكون أمينا وأن لا يأخذ من مال غيره بغير حق حتى وإن كان مبلغا زهيدًا.. عندها ابتسم السائق وسأله: ألستَ الإمام الجديد في هذه المنطقة؟ قال: بلى. قال السائق: إني أفكر منذ مدة في الذهاب الى المسجد لأنني أحببت الإسلام وأفكر في اعتناقه والدخول فيه، وقد أعطيتك المبلغ الزائد عمدًا لأرى ما يأمركم به دينكم من الأخلاق والقيم، وكيف سيكون تصرفك!

عندما نزل الإمام من الحافلة شعر بضعف ووهن في ساقيه وكاد أن يقع أرضا من هول الموقف، فاستند إلى أقرب جدار ونظر الى السماء ودعا باكيًا: يا الله كم قدّمت للإسلام بعشرين بنسًا، بعد أن كدتُ أتسبب في صدّ عبدٍ من عبادك عن الدخول في دينك!!

أيها الأحبة: لقد انتشر الاسلام في أصقاع كثيرة وبلاد متفرقة فقط عن طريق القدوة الصالحة والتعامل الحسن، وهذه هي مضمون دعوته ..

وللأسف فإنّه لما قلّ وجود القدوات الصالحة وغُيّب الموجود منها، استطاع دعاةَ الشـر وشياطينَ الفساد أن يغزونا في عُقْرِ دارنا بهذه القدوات السيئة الفاسدة المفسدة عبر إعلامهم حتى وجد في أبناء الجيل من فتيانِنا وفتياتنا من يقلّد الساقطين في كل شيء، في مظهرهم وملبَسِهم، ويتلقّون عنهم كل شيء دون مراعاة للحدود الشرعية والآداب المرعية.

إنّ هذه المظاهرَ لهي أوضح دليل على الشعور بالنقص والانهزام النفسـي لدى هؤلاء المقلدون والأتباع، وصدق ابنُ خلدون في قوله: (المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب أبدًا).

ومن هنا ندرك أن القدوة الحسنة عنصر هامّ في كل مجتمع، وفي كل دعوة ومنهج، فمهما كان أفراده صالحين فهم في أمس الحاجة لرؤية القدوات، وكما قيل: جالسوا من تذكّركم بالله رؤيتُهم، كيف لا وقد أمر اللهُ نبيَه بالاقتداء بمن سبق من الأنبياء فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

وتشتدّ الحاجة إلى القدوة وتتأكد الحاجة بل تصل إلى درجة الوجوب إذا وُجدت قدواتٌ سيئةٌ فاسدةٌ تُحْسِن عرضَ باطلها. فالمسلمُ الذي يعيش بين ظهراني الكفرة ينبغي أن يكون قدوة لهم وممثّلًا للإسلام؛ لعله أن يكون سببًا في دخولهم الإسلام كما حصل في تاريخ الإسلام. وأهلُ الطاعة ينبغي أن يكونوا قدوة لأهل المعصية؛ بظهور أثر الطاعة وثمارها كالأمن النفسي والأخلاق الفاضلة.

إن الشباب في أمة الإسلام يعانون من افتقاد القدوة الصالحة.. وتربية القدوة أعلى آلاف المرات من تربية الخطب والمقالات، وفعل رجل في ألف رجل خيرٌ من قول ألف رجل في رجل..

إن المربي الذي يخالف فعله قوله واهمٌ في اعتقاده أنه يربي.. بل هو يهدم، وإن كانت كلماته هي كلمات البناء؛ ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:3].

فأيّ هدم للقيم يتسبّب فيه المدرس بانحيازه لبعض الطلاب؟! والأب لأبنائه، فأيّ هدم للقيم يباشره الأب حين يكذب أمام أبنائه مهما كان المبرّر؟! والحاكم لشعبه، فأيّ مصيبة تقع عندما يظلم الحاكم شعبَه أو لا يقيم العدل بينهم؟! والرئيس لمرؤوسيه، فأي دعوة للتسيب يبثها الرئيس بين موظفيه بتأخره عن الدوام دائمًا؟! والداعية لمن يدعوه، فأي فتنة يحدثها الداعية للمدعو حين يعاهده ويخلف؟!

فهولاء الأصناف لا مندوحة لهم ولا خيار لهم أن لا يكونوا قدواتٍ صالحةً؛ لأنهم تحت المجهر والمراقبة شاؤوا أم أبَوا، وخطؤهم ليس كخطأ فرد بل هو خطأ تظهر نتيجته على جماعة، فهل يكونون أهلًا للتحدي؟! وهل يستشعرون مسؤولياتهم؟! وهل يحسبون خطواتهم؟!

ما الظن بأبٍ يأمر أولاده بعدم التدخين -مثلًا- والسيجارة لا تفارق يده؟! أو كيف يأمره بحسن معاملة الجار وهو في شجارٍ دائم مع جيرانه؟ أو بحفظ اللسان وهو يتناول كل من أغضبه بالسباب والشتائم؟ أو بالحلم وهو غضبان؟ أو بالعدل وهو ظالم؟

كيف يمكن للوالدين أو للدعاة أن يأمروا الجيل بالانسجام والتآخي والتآلف، والخلافات والشجارات تسود أجواء البيوت والمحاضن التربوية والدعوية؟!

كيف يمكن لحاكم أو شرطي أن يأمر الناس بعدم العنف بينما هو يتعامل بكل قسوة وعنف وبطش وإرهاب مع عموم الناس؟! كيف يمكن أن تكون هناك تربية بغير قدوة؟!

أخي، إذا كنتَ قُدوة حسنة، فأنت تَدْعو الناس إلى الخير، وتحَثُّهم عليه بِحالك ولو من غير قول، فكنتَ داعيًا إلى الخير بِحالِك، فدخلتَ في عموم قوله : «من دَعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثلُ أُجور مَن تَبِعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَن تَبِعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»[1].

أيها المسلمون: إن الحاجة إلى القدوة الحسَنة ماسة في كل زمان، وفي هذا الزَّمن أحوَجُ مما مَضى، فبالقدوة الحسنة تحصل المُحاكاة وتترسَّم الخُطى من الصَّغير والكبير، شاهِدوا حال الصِّغار، ذُكورًا وإناثًا، وهم يُحاكون تصَرُّف آبائهم وأمهاتهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

إن القدوةَ أعظم أثرًا وأكثر إقناعًا من الكلام النظري مهما كان بليغًا ومؤثرًا، ولعل هذا هو السرُ في إرسالِ اللهِ رسلًا من البشر ليكونوا منارات هدى وقدوات حسنةً عبر التاريخ، فهم التطبيق النموذجي لشرع الله في كل عصر، ودليلٌ على واقعيةِ الشرع، وحجةٌ على البشـر الذين هم مثلهم.

وأوضح دليل على هذا الأثر ما وقع في يوم الحديبية، ففي صحيح البخاري قال عمر: فلما فَرغ من قضية الكتاب أي: بنود الصلح قال رسول الله لأصحابه: «قوموا، فانحروا ثم احلقوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك؟ اخرُج لا تكلّم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضُهم يقتل بعضًا غمًّا[2].

إنّ هذا التأثيرَ القويَ والمباشرَ للقدوة يرجع إلى أن الإنسان مفطور على حب التقليد، وكثيرًا ما يكتسب معارفَه وخبراته ومهاراته بالتقليد والمحاكاة، انظر إلى الطفل كيف يحاكي أباه ويتقمص شخصيته؛ لأن التعلم بالرؤية والمشاهدة أسهلُ وأيسـر بل وأسرع، والنفس بطبعها تحبّ الحصولَ على الشـيء بأسهل الطرق وأسرعها ولو كان محرّمًا، لكن الشرع والعقل يضبطها.

أيها الناس: محَلُّ القدوة إذا بدر منه تقصير وخطأ، كان من حكمة الشَّـرع التغليظُ في العقوبة على مثله، وقد قال الله: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:30]، وهذا الحُكْم الإلهي اتَّخذه عمر منهجًا له في تعامُلِه مع أقاربه، فرُبَّما احتَمَوا بقرابتهم، فحَصل منهم تعَدٍّ يُجرِّئ غيرهم على المخالفة، فجعل عليهم مُضاعفة العقوبة؛ فعن عبدالله بن عُمَر قال: «كان عمر بن الخطَّاب إذا نهى النَّاس عن شيء دخَل إلى أهله - أو قال: جمَع - فقال: إنِّي نهَيْتُ عن كذا وكذا، والناس إنما يَنْظُرون إليكم نظَر الطَّير إلى اللَّحم، فإن وقَعْتُم وقَعوا، وإن هِبْتُم هابوا، وإنِّي والله لا أُوتَى برجل منكم وقع في شيء مما نهَيْتُ عنه الناسَ، إلاَّ أضعفت له العقوبة؛ لِمَكانه منِّي، فمن شاء فليتقدَّم، ومن شاء فليتأخَّر»[3].

أيها الأحبة: خمسة أمور هي الحدّ الأدنى لما ينبغي أن يتحلى به القدوة من محاسن الصفات:

أولها: الاستقامةُ على منهج الله؛ وذلك بسلامة المعتقد وأداء الفرائض والتخلق بأخلاق الإسلام واجتناب الكبائر.

الثاني: موافقةُ الأفعالِ للأقوال، ويكفي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3].

الأمر الثالث: البعدُ عن مواطنِ الشبهات، قال رسول الله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»[4]، وإذا رُئي في موطن الشبهة بيَّن ذلك، فقد فعله من لا يشَكّ فيه البتّة سيدُ المرسلين، فعن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها قالت: كان رسولُ اللهِ مُعتَكِفًا فأتَيتُه أزورُه ليلًا، فحدَّثتُه ثم قُمتُ فانقَلَبتُ، فقام معي ليَقلِبَني، وكان مَسكنُها في دارِ أسامةَ بن زيدٍ، فمرَّ رجلانِ منَ الأنصارِ، فلما رأَيا النبيَّ أسرَعا، فقال النبيُّ : على «رِسلِكما، فإنما هي صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ». فقالا: سُبحانَ اللهِ يا رسولَ اللهِ[5]، قال: «إنَّ الشيطانَ يَجري منَ الإنسانِ مَجرى الدمِ، وإني خَشيتُ أن يَقذِفَ في قلوبِكما سُوءًا»، أو قال: شيئًا.[6]

الأمر الرابع: التقليلُ من الترخّصِ وتغليبُ الأخذِ بالعزائم، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35].

الخامس: إتقانُ التخصّصِ ومتابعةُ التطويرِ والإبداعِ، ويكفي قولُ المصطفى: «إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»[7].

أيّها المقتدي: يجب أن تعلم أن القدوة مهما حرص على الكمال فهو بشـر غير معصوم، وعملُه ليس حجة على الإسلام، بل الحجة قال الله قال رسوله، فالتمس لأخيك العذر عند التقصير، وإذا أبيتَ إلا اللوم فلُم نفسك أولًا، فقد قال الله تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴿١٤﴾ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14-15].

فخذ الخير من أهله، واكتسب الفضائل من أصحابها، وما رأيت من خلل أو زلل فليس ذلك بحجة لك في اتباعه، يقول تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب:21].. فمن كان يرجو لقاء ربه فليكن محمد قدوته في حله وترحاله، وليكن هو مقياس لسائر القدوات في شتى المجالات، ليأخذ منها ما ينفعه في دينه ودنياه... نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عبد الرحمن هوساوي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة