حجم الخط:

الساعة وأشراطها

الخطبة الأولى:

الحمد لله الولي الحميد يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أحمد ربي وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، ونسأله من فضله المزيد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث بالدين الحق والموصوف بكل عمل صالح رشيد..

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فاتقوا لله بالإعداد للقائه والاستكثار من الطاعات قبل نزول بلائه والشكر على آلائه.

أيها الناس: إن ربنا أخبرنا بما نحن فيه من خير أو شر ومحبوب ومكروه ولذات ومنغصات.. فقال -وهو أصدق القائلين-: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، وقال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35].

وقد خلق الله هذا الكون المشاهد بالحق، وقد جعل له أجلا مسمى ينتهي إليه، وكل مخلوق في هذه الدنيا له وقت لا يعدوه كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ۗ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم:8]، وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وقال تعالى ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران:145].

فإذا بلغ الكتاب أجله، واستوفى هذا الخلق المشاهد عمره واستوفى مدته التي أرادها الله - أفناه الرب -سبحانه تعالى- وبدله، وطوى الدنيا وأزالها.. فتشققت السماوات ودكت الأرض واضمحلت الجبال فكانت سرابا وكورت الشمس وخسف القمر وانكدرت النجوم وتناثرت وسجرت البحار، وصعق من في السماوات ومن في الأرض فماتوا إلا من شاء الله من نحو الحور العين.

وأقام الله القيامة وأتت الساعة، وطرق الخلق أهوال عظام لا قبل لهم بها.. قال الله- تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ولتقومن الساعة وقد نشـر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليق حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها»[1].

ويخلق الله للساعة وما بعدها عالمًا آخر وكونًا غير هذا الكون.. يتنعم فيه الصالحون لأعمالهم الحسنة ويعذب فيه أهل السيئات بالعذاب الأليم.. قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿٤٨﴾ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴿٤٩﴾ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:48-50]، وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم:14-15].

وقد أخفى الله الساعة عن كل أحد.. قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187]..

ولكن الله تعالى جعل للساعة أشراط وعلامات تدل على قرب وقوعها ليستكثر الناس من الطاعات ويبتعدوا عن المحرمات؛ ولتكون هذه العلامات أحد المعجزات لنبينا ﷺ الدالة على صدق رسالته..

وأشراط الساعة وعلاماتها ثلاثة أنواع...

- النوع الأول: علامات وأشراط صغرى.. قد وقعت ومضت.

- القسم الثاني: أشراط الساعة الوسطى.. التي تتكاثر حتى تتصل بالكبرى.

- القسم الثالث: أشراط كبرى.. التي تعقبها الساعة.

فأما النوع الأول: فهو أشراط الساعة الصغرى التي وقعت ومضت.. وهي كثيرة، منها بعثة النبي ﷺعن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة جميعًا.. إن كادت لتسبقني»[2].

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «أعدُد ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظلّ ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون.. فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفا»[3]..

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان»[4].

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة: إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واشتغلوا بالبناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفًا والكذب صدقًا والحرير لباسًا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن وخوَّن الأمين وصدق الكاذب وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا والولد غيظًا، وفاض اللئام فيضًا وغاض الكرام غيضًا، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بغير الله وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، ويقل الأمر بالمعروف، وشربت الخمور، وعق الرجل أباه وبر صديقه وجفا أمه وأطاع امرأته.. الحديث»[5].

ومنها قوله ﷺ: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.. قيل: من هي يا رسول الله، قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»[6].

والنوع الثاني: الأشراط الوسطى للساعة.. وهي كثيرة أيضا، لا تزال تظهر حتى تتصل بأشراطها الكبرى.

ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا»[7].

وعن ميمونة زوجة النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال أمتي بخير مالم يفشوا فيهم ولد الزنا؛ فإذا فشا فيهم ولد الزنا فيوشك أن يعمهم الله عز وجل بعذاب»[8].

وعن سلمان رضي الله عنه أنه قال: «إن من اقتراب الساعة أن يؤذي الجار جاره»[9]، وعن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يذهَبُ الصالحونَ، الأوَّلُ فالأوَّلُ، ويبقَى حُفالَةٌ كحفالَةِ الشعيرِ، أو التمرِ، لا يُبالِيهم اللهُ تعالى بالَةً»[10]..

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تكثر الفتن ويظهر الكذب وتتقارب الأسواق ويتقارب الزمان ويكثر الهرج.. قيل: وما الهرج؟ قال: القتل»[11].

وأما الأشراط الكبرى التي تعقبها الساعة؛ فمنها: خروج المسيح الدجال..

وهو رجل من بني آدم أعور العين اليمنى يدعي أنه رب العالمين، يأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويمر على الخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها.. فتتبعه كيعاسيب النحل، ويحي الموتى -بإذن الله- وتطيعه الشياطين فيتصورون على صور الأموات ويدعون إلى الإيمان به، ويتصورون على صور الأنعام التي ماتت للبادية فيتصورون على صورها، ثم يدعون الناس إلى أن الذي خرج هذا -وهو الدجال- يحي الموتى، ويدعون له ليؤمن الناس أنه رب العالمين..

وقد جعله الله فتنة للناس ليعلم المؤمن من الكافر.. مكتوب بين عينيه (كافر).. يقرأه كل مؤمن -كاتب وغير كاتب-.. فمن آمن به لم ينفعه عمل صالح سلف، ومن كفر بهذا الدجال غفر الله له.

ثم يخرج عيسى بن مريم، ثم يقتله ب (باب لد) بفلسطين.

ومن أشراط الساعة الكبرى: طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة؛ وهي دابة تخطم المؤمن على أنفه فيبيض وجهه وتخطم الكافر فيسود وجهه، ثم خروج يأجوج ومأجوج.

أيها الناس: كان الصحابة Ȋ في مجالسهم يتذاكرون الساعة وأشراطها لأن ذكر الساعة وأشراطها يزيد في إيمان العبد ويرغب في الآخرة، ويجعل الإنسان على حذر من الدنيا وشهواتها ويزيد في الإيمان..

عن حذيفة بن أُسيد رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تروا عشرَ آياتٍ: طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها، ويأجوجُ ومأجوجُ، والدَّابَّةُ وثلاثةُ خسوفٍ خسفٍ بالمشرقِ وخسفٍ بالمغربِ وخسفٍ بجزيرةِ العربِ ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنَ تسوقُ النَّاسَ أو تحشرُ النَّاسَ فتبيتُ معَهم حيثُ باتوا وتقيلُ معَهم حيثُ قالوا»[12].

أيها الناس: اتقوا الله، واعلموا أن كل ما هو آت آت وكل آت قريب..

ǿ: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد:18]..

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم..

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمد عبده ورسوله.. بعثه الله بالهدى واليقين..

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله -أيها المسلمون- واجعلوا تقواه ذخرًا لكم في دنياكم وفي أخراكم؛ فقد سعد المتقون وخاب الخاسرون العصاة المفسدون.

أيها الناس: إن الساعة أمرها عظيم، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله تبارك وتعالى يبعث من في القبور، وإن أقرب من ذلك هو موت أحدكم.. إن أقرب من الساعة موت الرجل، وهو قيامته؛ لأن الموت الانتقال بعده إلى الآخرة..

فمن مات أصبح من أهل الآخرة، واطلع على ما كان من عمله واطلع على ما يكون من جزائه؛ فمبشر بالجنة من كان من الصالحين ومبشر بالنار من كان من العصاة الفاسقين..

فاتقوا الله -أيها المسلمون- وأعدوا لحياتكم؛ فإن حياة المرء الحقيقية هي الحياة الأخرى.. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ﴿٢٣﴾ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴿٢٤﴾ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر:23-25].

ألا.. وصلوا عباد الله على سيد الأولين والآخرين؛ فقد أمركم الله تعالى بالصلاة عليه في قوله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]..

Adobe Systemsوقد قال ﷺ: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»[13]؛ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.. اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وسلم تسليمًا كثيرًا..

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / علي بن عبد الرحمن الحذيفي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة