الحمد لله الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. الذي لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفوا أحد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير من ركع لله وسجد، وأفضل من دعا إلى طريق الحق والرشد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من سار على طريقهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله -معاشر المسلمين- واعلموا أن هذه الدنيا دار ممر وأن الآخرة هي دار القرار ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة:7-8]...
أيها الناس:
إن لبني آدم ولَعًا بالغًا وشغفًا ثائرًا فيما يتعلق بالأمور الغيبية -الماضي منها واللاحق-، وإنكار هذه الظاهرة ضربٌ من ضروب تجاهل الواقع والنَّأْيِ عنه. غيرَ أن تَراوُحَ هذه الظاهرة -صعودًا وهبوطًا- يُعَدّ مرهونًا بمدى قرب الناس من مشكاة النبوة والشِّرعة الحقّة، التي أَحْكَمت هذا الباب، وأخبر الله من خلالها بقوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن:26-27].
ولا غَرْو حينئذ إذا وَجدْنا هذه العصور المتأخرة مظنةً للخلط واللغط بالحديث عن الغيبيات، وتوقان النفوس الضعيفة إلى مكاشفتها، ما بين مؤمن بالخرافة وراضٍ بالكهانة، وآخرين سادرين بالسجع والتخمين يقذفون بالغيب في كل حين، مع أن آيات الله تُتْلى عليهم بكرةً وعشيًا، وفيها قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النمل:65] وتُقرأ عليهم سنة المصطفى ﷺ وفيها قوله: «خمس لا يعلمهن إلا الله عز وجل: إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ»[1].
إذن لا مجال للحديث عن المغيَّبات إلا من خلال ما ذكره لنا ربنا جل وعلا ، أو ما أوحاه إلى رسوله ﷺ، وما عدا ذلك فما هو إلا مجرّدُ تكهُّناتٍ إن لم تكن محورَ أساطير وأوهام، وخليطَ كلام يقذف به مسترقُ السمع من الجن.
والإسلامُ في حقيقته دينٌ يُزيلُ الخرافةَ من الفكْر، والرذيلة من القلب، والشّـرودَ من المسيرة، فالإيمان بالغيب ليس إيمانًا بالأوهام ولا هو إيذانا لأنواع الفوضى.
ثم إن الناجين من هذه الظاهرة قد لا يسلمون من تطلُّع آخر يحملهم عليه الشغفُ ورَوْم معرفة الحال اللاحقة، والتي يظنون أن لها ارتباطًا وثيقًا باستقرار مستقبلهم من عدمه، فاشرأبَّت نفوسُهم إلى الوقوف على ذلك في مناماتهم من خلال ما يعتريهم من رؤى وأحلام، ولذا فإن أحدنا قد يلاقي أخًا له أو صديقًا فيراه عبوسًا مُتجهِّما أو فرِحًا مسرورًا، فيزول عنه العَجَب حينما يعلم أن سببَ هذا الفرح أو الحزن رؤيا مؤنسة أو أخرى مقلقة.
وهذا الأمر-عباد الله- ليس قاصرًا على أفراد الناس وعامتهم فحسب، بل يشـركهم فيه العظماء والكبراء، فكم أقضَّت الرؤيا عظيمًا من مضجعه، وكم بشَّـرت الرؤيا أفرادًا بمستقبلهم، وكم شغلت شعبًا كبيرًا برُمّته، وما رؤيا يوسف عليه السلام بغائبة عنا، ولا رؤيا ملك مصر بخافية علينا، فقد اجتمع فيها تبشير وتحذير في آنٍ واحدٍ، إذ بشارتها هي السَّعة عليهم في الرزق سبعَ سنين، ونذارتها هي في الجدب والقحط سبعًا مثلها.
الرؤى لها أهميتُها الكبرى في واقع الناس قبل الإسلام وبعد الإسلام، لكنها من خلال نظرات المتعلمين والمثقفين لها قد تتفاوت تفاوتًا كثيرًا لاختلاف المرجعية من قبل كل طائفة، فقد أَنْكَرَها الفلاسفةُ، ونَسَبوا جميع الرؤى إلى الأخلاط التي في الجسد، فرأوا أنها هي التي تحدث انعكاسًا مباشرًا على نفس الرائي بقدر هيجان الأخلاط التي في جسده.
ولبعض علماء النفس موقفٌ سلبي تجاه هذه الرؤى أيضًا، قاربوا فيه قولَ الفلاسفة فجعلوها خليطًا من الأمزجة والرواسب التي تكمُن في ذاكرة الإنسان فيهيّجها المنام، حتى قصروا أمرَها في قالب مادي -بيولوجي- صِرف كما زعموا.
وأما شريعة الإسلام فإن علماءَها وأئمتَها قد ساروا على منهاج النبوة ووقفوا من الرؤى بما نصَّ عليه الكتاب والسنة، فذهبوا إلى أن الرؤيا المنامية الصالحة الصادقة إنما هي حق من عند الله، فمنها المبشِّرة ومنها المنذرة..
لما روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه - أنّ رسول الله ﷺ قال: «لم يَبْقَ من النُّبُوَّةِ إلا المُبَشِّراتُ»، قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة»[2].
والتبشير هنا -عباد الله- يحتمل التبشير بالخير والتبشير بالشـر، كما قال الله تعالى عن الكفار: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران:21].
وهذه الرؤيا -عباد الله- هي التي قال عنها الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة..» الحديث.[3].
وبعدُ -يا رعاكم الله-..
فلقد تكالبتْ هِممُ كثيرٍ من الناس في هذا العصر، بسبب الخواء الروحي الذي يتبعه الجزعُ والفَرَق، ونأيُ النفس عن تعلقها بالله وإيمانها بقضائه وقدره وبما كان ويكون، وأن شيئا لن يحدث إلا بأمر الله ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، حتى لقد تعلَّقتْ نفوسُهم بالرؤى والمنامات تعلُّقًا خالفوا فيه من تقدَّمهم في الزمن الأول من السلف الصالح، ثم توسَّعوا فيها وفي الحديث عنها والاعتماد عليها، إلى أن أصبحت شغلَهم الشاغل عبر المجالس والمنتديات والمجامع! بل والقنوات الفضائية!!
إلى أن طغتْ على الفتاوى الشرعية، فأصبح السؤالُ عن الرؤى أكثرَ بأضعاف عن السؤال في أمور الدين وما يجب على العبد وما لا يجب!
كل ذلك إبان غفلةٍ ووَسْنةٍ عن ما ينبغي أن يقِفَه المؤمنُ تجاهَ هذه الرؤى، وأنّ هناك هديًا نبويًا للتعامل معها ينبغي أن لا يتجاوزه المرءُ فيطغى.. ولا يتجاهلَه فيعْيى؛ لأن النبي ﷺ تركَنا على المحجة البيضاء، فأغنانا في الحديث عنها عن إتعابِ النفْس في التعلق بها والسعي الدؤوب في معرفة تأويلها، بلْهَ التعلق بها والاعتماد عليها، وما تهافتُ الناسِ في السؤال عنها بهذه الصورة المُفْرطة إلا لونٌ من ألوان الخروجِ عن الإطار المرسومِ والتوازن المتكامل، فتجد أحدَنا يرى الرؤيا -أيًّا كانت- فتضطرب لها حواسُّه! وترتعد منها فرائصُه! وتُحبَس أنفاسُه! فلا يطفئ ذلك إلا البحث بنَهمٍ عن عابرٍ لها ليَعْبُرَها، حتى يظهر له أشرٌّ هي أم خير.
ولو وقفَ كُلّ واحدٍ منا عند الهدي النبوي مع الرؤى، لَمَا رأينا مثل هذه الجَلَبة ولا مثل هذا التعلّق الشاغل، الذي استثمرته بعضُ المجامعِ والمنتديات، فضلًا عن الفضائيات التي جعلته وسيلةَ جلْبٍ واستقطابٍ لمشاهِدِيها من خلال هذا الطُّعْم الْـمُهَوِّع.
ولأجل أن نقفَ جميعًا على صورةٍ مثلى للتعامل مع الرؤى المتكاثرة فلنستمع إلى جملة من الآداب المرعية تجاه هذه الظاهرة الناخرة في المجتمع...
فقد روى مسلم في صحيحه أن أبا سلمة قال: كنت أرى الرؤيا أُعرَى منها - أي أمرضُ منها- غير أني لا أُزَمَّل، حتى لقيتُ أبا قتادة فذكرتُ ذلك له فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا من الله، والحُلْم من الشيطان، فإذا حَلَم أحدُكم حُلْمًا يَكْره، فلينفُثْ عن يساره ثلاثًا وليتعوّذ بالله من شرها، فإنها لن تضرّه» قال أبو سلمة: إن كنتُ لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من جبل، فما هو إلا أن سمعتُ بهذا الحديث فما أُبالِيها[4].
ومن هنا -عباد الله- فما كلُّ ما يراه النائمُ يُعَدّ من الرؤى التي لها معنًى تفسَّـر به؛ إذ إنّ ما يراه النائم في منامه يتنوّع إلى ثلاثة أنواع لا رابع لها.. كما عند ابن ماجه من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويلُ من الشيطان ليَحْزن بها ابنَ آدم، ومنها ما يَهمّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»[5].
يقول البغوي رحمه الله: (في هذا الحديث بيانُ أنه ليس كل ما يراه الإنسانُ في منامه يكون صحيحًا ويجوز تعبيرُه، إنما الصحيحُ منها ما كان من الله عز وجل ، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها).
ومثال هذه الأضغاث -عباد الله- ما رواه مسلم في صحيحه أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله.. رأيتُ في المنام كأنّ رأسي ضُرب، فتدحرج فاشتددتُ على أثره.. فقال رسول اللهﷺ للأعرابي: «لا تُحَدِّث الناس بتلعّب الشيطان بك في منامك»[6].
وأمّا موقف المرء من هذا النوع من الرؤى - وهو الغالب على حال الكثيرين - فإنه قد جاء في السنة آداب خاصة به في أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما.. وهي:
التعوذ بالله من شر هذه الرؤيا ومن شر الشيطان، وأن يتفل الرائي حين يهبّ من نومه ثلاثًا عن يساره، وأن لا يذكرَها لأحد أصْلا، وأن يصلي ما كُتِب له، وأن يتحوّلَ من جنْبِه الذي كان عليه.
وزاد بعض أهل العلم قراءةَ آية الكرسي.. لما صحّ عن النبي ﷺ أنّ من قرأها لا يقربه شيطان.
وهذا النوع من الرؤى إنما هو من الشيطان..
يقول النووي رحمه الله: (وينبغي أن يجمعَ الرائي بين هذه الآداب كلها ويعمل بجميع ما تضمنته الروايات، فإنْ اقتصـر على بعضها أجْزَأه في دفع ضررها -بإذن الله- كما صرحت بذلك الأحاديث).
وأما النوع الثاني من الرؤى فهو ما يحدِّثُ به المرءُ نفسَه في يقظته، كمن يكون مشغولًا بسَفَر أو تجارةٍ أو نحو ذلك فينام، فيرى في منامه ما كان يفكِّر فيه في يقظته، وهذا من أضغاثِ الأحلامِ التي لا تعبير لها.
فلا يبقى إلا النوعُ الثالث، وهو الرؤيا الصادقة الصالحة التي تكون من الله، وهي التي تكون بشارة أو نذارة، وقد تكون واضحةً ظاهرةً لا تحتاج إلى تأويل، كما رأى إبراهيم عليه السلام أنه يذبح ابنَه في المنام..
وقد تكون خافية برموز تحتاج فيها إلى عابر يَعْبُرها، كرؤيا صاحِبَي السجن مع يوسف عليه السلام. وهذا النوع هو الذي نهى رسول الله ﷺ أن يُقَصّ إلا على عالم أو ناصحٍ، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: «لا تُقَصّ الرؤيا إلا على عالمٍ أو ناصحٍ»[7].
وما عدا ذلك من الرؤى التي تتعلق بإثبات شيء من أحكام الشريعة في حلال أو حرام، أو فِعْل عبادة أو تحديد ليلة القدر مثلًا -وهي التي أُرِيَها النبي ﷺ ثم أُنسيَها-، أو تلك الرؤى التي ينبني عليها آثار متعدية تتعلق بحقوق الناس وحرماتهم وإساءة الظنون بهم من خلال بعض الرؤى مثلا، أو الحُكْم على عدالتهم ونواياهم من خلالها، فإنّ ذلك كلَّه من أضغاث الأحلام ومن الظنون التي لا يجوز الاعتماد عليها في قول جمهور أهل العلم كالشاطبي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم.
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله في كتابه (الاعتصام) أن الخليفة المهدي أراد قتل شَريك بن عبد الله القاضي فقال له شريك: (ولِم ذلك يا أمير المؤمنين ودمي حرام عليك؟!
قال: لأني رأيت في المنام كأني مقبلٌ عليك أُكَلّمُك وأنت تكلمني من قفاك! فأرسلتُ إلى المعبر فسألته عنها فقال: هذا رجل يطأ بساطَك وهو يُسِرّ خلافَك!!
فقال شريك: يا أمير المؤمنين، إن رؤياك ليست رؤيا يوسف بن يعقوب، وإن دماءَ المسلمين لا تُسْفَك بالأحلام!
فنكَّس المهدي رأسه وأشار إليه بيده أن اخرُج فانصرف).
وقد ذكر ابنُ عساكر في تاريخ دمشق أنّ بعضَهم رأى في المنام الشافعيَّ رحمه الله فقال له: (كذبَ عليَّ يونس بن عبد الأعلى في حديث ما هذا من حديثي ولا حدّثْتُ به!). فقال الحافظ ابن كثير رحمه الله معلقًا على هذا الكلام: (يونس بن عبد الأعلى من الثقات، لا يُطْعَنُ فيه بمجرد منام).
وقد نقل الذهبي رحمه الله عن المروذي قال: (أَدْخَلْتُ إبراهيمَ الحصـري على أبي عبد الله أحمد بن حنبل -وكان رجلًا صالحا- فقال: إنّ أُمي رأت لك منامًا هو كذا وكذا -وذكرت الجنة-فقال: يا أخي، إنّ سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء! وقال: الرؤيا تسرُّ المؤمن ولا تغرُّه).
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه..
فيا أيها الناس:
إنّ من باب الإنصاف والمصارحة والنصح، أنْ لا نُلْقيَ باللائمة كلها في موضوع الرؤى والإفراط فيها على آحاد الناس فحسب، بل لا بد من تعديةِ الأمرِ إلى العابرين أنفسهم الذين يعبُرون الرؤى، إذ عليهم مسؤوليةٌ عظمى تجاه الرائين.
فلا بدّ للعابر أن يكون عالمًا بهذا العلم العظيم، وأن يدركَ المصالح والمفاسد في هذا الميدان، وأن لا ينصِّبَ نفسه للفتيا في الرؤى ويتطلَّع إليها، لا سيما عبر الشاشات وفي المجامع الكبيرة.
فتعبير الرؤى قرينُ الفتيا، وقد قال الملك: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف:43] يقول ابن القيم رحمه الله: (المفتي والمعبِّر والطبيب يطَّلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطّلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يَحْسُن إظهارُه).
ثم إنّ على العابرين أن لا يتسارعوا في التعبير، وأن لا يجزموا بما يعبرون، وأن يعلموا خطورةَ هذا الجانبِ وما يوصله إليه من الافتتان والإعجاب بالنفس وتعظيم شأنه فوق شأن المفتين وأهلِ العلم، وقد نقل ابنُ عبد البر عن الإمام مالك أنه سئل: (أيعبُر الرؤيا كلُّ أحد؟) فقال مالك: (أبالنبوة يُلعَ؟!).
وقد نقل ابنُ عبد البر أيضا عن هشام بن حسان أنه قال: (كان ابن سيرين يُسألُ عن مئة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: اتق الله وأحسِن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب)
فإذا كان هذا هو قولَ إمام المعبرين في زمانه وما بعده من الأزمان، فما الظن بمن جاء بعده؟!
إننا لنسمع بالمعبِّر يُسأل عن ألف رؤيا لا تسمع مرةً يقول: لا أدري! أو يقول: هذه أضغاث أحلام! أو يقول: هذه حديث نفس... إلا من رحم ربُّك!
كما أنّ على العابرين أن يدركوا خطورةَ تعبير الرؤى من خلال الشاشات التي يراها الملايين من الناس، وكذا المجامع الممتلئة بالحشود وذلك للأمور التالية:
أولها: أنّ الانفتاح المطلَق في التعبير نوعُ فتنة من أجل حديثه في أمور الغيب، لا سيما أن أحدًا لا يستطيع أن يجزمَ بصحة ما يقول العابر من عدمه، إلا من رأى ذلك في واقعه، وهذا شبْه متعسِّر عبر الشاشات.
وثانيها: تعذّرُ معرفة حال الرائي عبر الشاشات والمجامعِ من حيث الاستقامة من عدمها، وهذا له صلةٌ وثيقةٌ بتعبير الرؤيا، فابن سيرين سأله رجلان -كل منهما رأى أنه يؤذِّن-، فعبرها للصالح منهما بالحج لقوله تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾ [الحج:27] وعبرها، للآخر بأنه يسـرق لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ [يوسف:70].
والشاطبي رحمه الله يقول في مثل هذه الحالة: (فمتى تتعين الصالحة حتى يُحكمَ بها وتترك غير الصالحة؟).
وثالثها: عدم إدراك عقول الناس لطريقة بعض العابرين للرؤيا لا سيما عبر الشاشات والمجامع، بحيث يكون تعبيرهم بصورة تجعل المستمعَ الجاهلَ لأول وهلةٍ يقول: هذا تكهّن أو تخمين أو عرافة! ونحن قد أُمِرْنا بمخاطبة الناس على قدر عقولهم.
فقد أخرج البخاري في صحيحه قول علي رضي الله عنه: «حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله؟!»[8].
وعند مسلمٍ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما أنت محدّث قوما حديثًا لا تبلغه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة».
رابعها: أنّ درءَ المفاسد مقدمٌ على جلبِ المصالح، فالمفسدةُ من خلال التعبير عبر الشاشات أشدّ من مصلحته لأمورٍ لا تخفى على متتبِّعها، لا سيما أنها في أمورٍ غيبية، وأنّها كالفتوى، والسلف الصالح كانوا يتدافعون الفتوى ما استطاعوا، ناهيكم عن بعض الفساد المتحققِ من خلال ما يشاهَدُ ويُسْمَع من تعبير رؤيا لفتاةٍ -مثلًا- بأنها ستفشلُ في نكاحها، أو لامرأة تعبَّر لها بأنّ زوجها تزوج عليها سِرًّا بامرأة أخرى! فما ظنكم بحال الأولى والأخرى؟! فهذه تترقبُ الفشلَ في كلِّ حين مع ضيق نفْسِها وانشغالِ بالها، وتلك باهتزاز كيانها والشك في زوجها المرة تلو الأخرى! ناهيكم عن من يَرَينَ مثلَ هذه الرؤى فيكتفين بما سمعنَه من تعبيرٍ لغيرهم فيقِسن عليه دون الرجوع إلى عابرٍ عالمٍ اكتفاءً بما سمعنَه أو شاهدنَه، فتكون الطامةُ حينئذٍ! وقولوا مثل ذلك فيما يراه الرجال والشباب!
وأمّا ما يحتجُّ به بعضُ الناس من أن مسلمًا روى في صحيحه أن رسول الله ﷺ كان كثيرًا ما يسألُ أصحابه بعد الفجر فيقول: من رأى منكم رؤيا؟ فالجوابُ عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: أنّ هذا رسول الله ﷺ، وتعبيرُه حقٌّ لا يشوبُه شائبة.
الوجه الثاني: أن تعبيره كان في مسجدٍ يحضره عددٌ ليس كالأعداد التي تُعَدُّ بالملايين حينما تشاهد التعبير عبر الشاشات! وما ظنكم بحضورٍ عند رسول الله من الصحابة العقلاء الفضلاء مقارنةً بحضور عند غيره؟!
فأين الثرى من الثريا؟!
الوجه الثالث: أنه لم يَثْبُت عن أحدٍ من الصحابة -كالخلفاء الأربعة ولا من بعدهم من التابعين- أنه كان يفعل في المسجد كما كان النبي ﷺ يفعل، لا سيما أبو بكر رضي الله عنه، وقد شَهِد له النبيﷺ بأنه عارفٌ بتعبير الرؤى، وهو معدودٌ من المُعبرين عند كثير من أهل العلم.
ألا فاتقوا الله -معاشر المسلمين-، وراقبوه في السر والعلن، والقصدَ القصدَ تُفْلِحوا. واعلموا أن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديث، فكلما صدق اللسان، وغُضّ البصـر، وامتثلت الجوارح، وأُكل الحلال، كانت الرؤيا أصدق، والفراسة أصوب.
هذا وصَلُّوا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة فقد أمركم اللهُ بذلك في كتابه فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /سعود بن إبراهيم الشريم