حجم الخط:

الثبات على الطاعات عند السلف

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله العليِّ الكبير، تعالى وتنزَّه عن الشبيه والنَّظير والمُعين والظَّهير، ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، أحمده سبحانه وأشكره أعطى الكثير، وتجاوزَ عن التقصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالِصةً مُخلِصةً أرجو بها النجاةَ من عذابِ السَّعير، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله البشيرُ النذير، والسـراجُ المُنير، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي القدرِ العليِّ والشـرفِ الكبير، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وعلى نهجِ الحق يسير، وسلَّم التسليمَ الكثير.

أما بعد:

فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله-؛ فإن الكرامةَ كرامةُ التقوى، والعِزَّ عِزُّ الطاعةِ، والأُنسَ أُنسُ الإحسان، والوَحشة وحشةُ الإساءة، الحياةُ -يا عبد الله- في مُداومة الذكر، والعافيةُ في مُوافقة الأمر، والنجاةُ في لُزوم الكتاب والسنة، والفوزُ لمن زُحزِحَ عن النارِ وأُدخِلَ الجنة: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ:

تَأْتِي مَوَاسِمُ الرَّحَمَاتِ، فَتَهُبُّ عَلَى الْعِبَادِ بِخَيْرِهَا وَخَيْرَاتِهَا، وَنُورِهِا وَهِدَايَاتِهَا، تَأْتِي فَتَتَرَوَّضُ فِيهَا النُّفُوسُ عَلَى صَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَتَكْتَسِبُ فِيهَا كُلَّ هُدًى وَرَشَادٍ.

لَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الطَّاعَةِ فهي لا تخفى، وَلَنْ نَتَذَاكَرَ الْأَسْبَابَ الْـمَعْنِيَّةَ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَيْهَا - مَعَ أَهَمِّيَّةِ التَّذْكِيرِ بِهَا دَوْمًا - فهي معلومة كإدمان الدعاء والتضرع، وكثرة الذكر، واختيار الصحبة الصالحة، وتأمل قصر الحياة الدنيا وزوالها، ومطالعة أخبار الأنبياء والعلماء والصالحين المصلحين من المتقدمين..

وهنا سَنَقِفُ مَعَ صَفَحَاتٍ وَضَّاءَةٍ، وَصُوَرٍ بَرَّاقَةٍ، مِنْ سِيَرِ سَلَفِنَا وَصَالِحِي أُمَّتِنَا، وَشَأْنِهِمْ فِي الْـمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَضِّهِمْ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.

إِنَّ اسْتِذْكَارَ أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ وَسِيَرِهِمْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِشَحْنِ النُّفُوسِ لِلْمَعَالِي، وَارْتِقَاءِ الْهِمَمِ لِلْخَيْرِ، وَعَدَمِ الْإِعْجَابِ بِالْعَمَلِ.

لَقَدْ كَانَ سَلَفُكُمْ أَصْدَقَ الْأُمَّةِ عَمَلًا، وَأَشَدَّهُمْ لَهَا إِتْقَانًا، وَخَبَرُهُمْ فِي هَذَا عَجَبٌ مِنَ الْعُجَابِ، لَمْ يَكُونُوا مَوْسِمِيِّينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، فَاتِرِينَ بَقِيَّةَ عَامِهِمْ، كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَتَثَبَّثُ بِعَمَلِهِ، حَتَّى لَكَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ، فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا إِلَّا خُرُوجُ الرُّوحِ.

هَذِهِ الْـجَوَارِحُ الَّتِي تَمَسَّكَتْ بِصَالِحِ الْعَمَلِ كَانَتْ تَحْمِلُ قُلُوبًا مَلْأَى بِالتَّقْوَى وَالْإِيمَانِ، وَالْـمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْمَلِكِ الدَّيَّانِ، حَتَّى هَانَ كُلُّ نَصَبٍ وَتَعَبٍ فِي سَبِيلِ الْـجَنَّةِ وَالرِّضْوَانِ، بَلْ كَانَتْ حَلَاوَةُ الْـحَيَاةِ لَا تُذَاقُ إِلَّا فِي جَوِّ هَذِهِ الطَّاعَاتِ.

وَمَعَ قُدْوَتِنَا وَحَبِيبِنَا ﷺ وَخَبَرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ:

كَانَ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا وَاظَبَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ كُلَّهَا، وَإِنْ شَغَلَهُ شَاغِلٌ عَنْهُ قَضَاهُ فِيمَا بَعْدُ، تُحَدِّثُنَا أُمُّنَا أُمُّ الْـمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رضي الله عنها فَتَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً[1].

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ تُسْأَلُ الْـخَبِيرَةُ عَائِشَةُ عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ فَتَقُولُ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ،[2] (وَالدِّيمَةُ: الْـمَطَرُ الدَّائِمُ، شَبَّهَتْ عَمَلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَوَامِهِ بِدِيمَةِ الْـمَطَرِ).

مَسْجِدُ قِبَاءَ يَبْعُدُ عَنْ دَارِهِ وَمَسْجِدِهِ مَسَافَةً لَيْسَتْ بِالْقَلِيلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ زِيَارَةَ هَذَا الْـمَسْجِدِ وَالصَّلَاةَ فِيهِ جُزْءًا مِنْ بَرْنَامَجِهِ الْأُسْبُوعِيِّ.

قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي قِبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ، وَكَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا».

هَذِهِ الْقُدْوَةُ الْـمُثْلَى، وَالْهِمَّةُ الْـمُشْتَعِلَةُ بِالْأَعْمَالِ، كَانَتْ صُورَةً حَيَّةً انْعَكَسَتْ عَلَى صَحَابَتِهِ ﷺ،

فَهَذَا بِلَالُ بن رَبَاحٍ يُبَشِّرُهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْـجَنَّةِ، وَأَنَّهُ سَمِعَ دَفَّ نَعْلَيْهِ فِيهَا، فَيَسْأَلُهُ عَنْ أَرْجَى عَمَلٍ عَمِلَهُ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَإِذَا الذِّكْرَيَاتُ تَطُوفُ فِي ذَاكِرَةِ بِلَالٍ، فَلَا يَرَى سَبْقَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَجِهَادَهُ، وَلَا يَرَى تَعَرُّضَهُ لِلِابْتِلَاءِ أَوَّلَ الدَّعْوَةِ، وَصَبْرَهُ عَلَى أَلَمِهَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَرْجَى عَمَلٍ عِنْدَهُ هُوَ مُوَاظَبَتَهُ وَاسْتِمْسَاكَهُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْـمَعْرُوفِ، فَيَقُولُ: «مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ».[3]

اشْتَكَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ حَالَهَا لِأَبِيهَا، وَشِدَّةَ حَاجَتِهَا وَزَوْجِهَا لِلْخَادِمِ؛ فَأَوْصَاهُمَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَوْرَادٍ مَخْصُوصَةٍ، قَالَ لَهُمَا: «أَلَا أُعْلِمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَنْ تُكَبِّرَاهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ»[4].

فَإِذَا الزَّوْجَانِ يَتَلَقَّيَانِ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ، فَلَا يَدَعَانِهَا طِيلَةَ حَيَاتِهِمَا، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ، وَلَا فِي سِلْمٍ وَلَا حَرْبٍ، يُحَدِّثُنَا عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ»، فَقَالَ أَحَدُ الصَّحَابَةِ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: «وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ».

وَمَعَ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْعَمَلِ، وَمَا أَعْجَبَ أَخْبَارَ ابْنِ عُمَرَ! يَرَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه رُؤْيَا فِي مَنَامِهِ، فَيَقُصُّهَا عَلَى أُخْتِهِ حَفْصَةَ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ، فَتَحْكِيهَا حَفْصَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ»[5].

انْتَهَى التَّعْبِيرُ، وَلَكِنْ هَلِ انْتَهَى أَثَرُهُ؟ كَلَّا، كَلَّا، لَقَدْ فَعَلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْـمَعْدُودَاتُ فِعْلَهَا فِي نَفْسِ ابْنِ عُمَرَ فَهَلَعَ، وَشَحَذَ هِمَّتَهُ لِقِيَامِ اللَّيْلِ، لَيْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا مَرَّاتٍ، وَإِنَّمَا لِجَمِيعِ لَيَالِي الْعُمْرِ، غَيَّرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ مُجْرَى حَيَاةِ ابْنِ عُمَرَ وَبَرْنَامَجَهُ فِي الْيَقَظَةِ وَالْـمَنَامِ.

قَالَ سَالِمُ بن عَبْدِ اللهِ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.

وَهَذَا عَبْدُ اللهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما كَانَ شَابًّا يَافِعًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُشِعُّ هِمَّةً وَعَمَلًا فِي الطَّاعَاتِ، فَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ سَرْدًا، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ لَهُ: «صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، فَقَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسٌ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «سَبْعًا»، فَقَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ، فَقَالَ: «تِسْعًا»، فَقَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا».

فَاسْتَمْسَكَ ابْنُ عَمْرٍو بِهَذَا الْعَمَلِ وَهُوَ فِي أَوَّلِ شَبَابِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَمَا زَالَ مُوَاظِبًا عَلَيْهِ طِيلَةَ عُمْرِهِ حَتَّى شَابَ وَضَعُفَ وَرَقَّ عَظْمُهُ، فَكَانَ يَقُولُ: «لَيْتَنِي كُنْتُ أَخَذْتُ بِرُخْصَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»؛ أَيْ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ[6].

وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ عَمَلَهُ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ طِيلَةَ حَيَاتِهِ، فَكَانَ يَصُومُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتَّى لَقِيَ اللهَ تَعَالَى.

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ خَبَرُ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَخَبَرُ مَنْ بَعْدَهَا فِي التَّسَلْسُلِ عَلَى مُوَاظَبَةِ الْعَمَلِ، تَقُصُّ عَلَيْنَا أُمُّ حَبِيبَةَ أُمُّ الْـمُؤْمِنِينَ خَبَرَهَا، فَتَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْـجَنَّةِ»[7].

قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، وَقَالَ عُتْبَةُ بن أَبِي سُفْيَانَ الرَّاوِي عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ».

وَيَسْتَمِرُّ التَّسَلْسُلُ الْعَمَلِيُّ لِرُوَاةِ الْـخَبَرِ، فَيَقُولُ عَمْرُو بن أَوْسٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عُتْبَةَ»، وَيَقُولُ النُّعْمَانُ بن سَالِمٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بن أَوْسٍ».

* وَهَا هِيَ أُمُّ الْـمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رضي الله عنها كَانَ لَهَا مَعَ صَلَاةِ الضُّحَى شَأْنٌ وَأَيُّ شَأْنٍ! كَانَتْ تُصَلِّي كُلَّ ضُحًى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْغَلَهَا أَيُّ شَاغِلٍ عَنْهَا، تُعَبِّرُ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمَامِهَا بِهَا، فَتَقُولُ: «لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُنَّ».

عَدِيُّ بن حَاتِمٍ الطَّائِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: «مَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا وَأَنَا عَلَى وُضُوءٍ».

وَهَذَا سَعِيدُ بن الْـمُسَيَّبِ إِمَامُ التَّابِعِينَ، تَنْزِلُ بِهِ سَكَرَاتُ الْـمَوْتِ وَعِنْدَ رَأْسِهِ بَنَاتُهُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُنَّ: «أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللهِ؛ فَوَاللهِ مَا فَاتَتْنِي تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً».

نَزَلَ الْـمَوْتُ بِعَبْدِ اللهِ بن إِدْرِيسَ الأودي، فَبَكَتْ عِنْدَهُ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: (لَا تَبْكِي؛ فَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ).

أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَقُرَّائِهِمْ، جَلَسَ سَبْعِينَ سَنَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ الْقُرْآنَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ إِلَى أَيَّامِ الْـحَجَّاجِ، فَأَخَذَ عَنْهُ الْقُرْآنَ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ.

وَمَاتَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ بن عَلِيِّ بن الْـحُسَيْنِ، فَغَسَّلُوهُ، فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى آثَارِ سَوَادٍ فِي ظَهْرِهِ، فَسَأَلُوا؛ فَعَرَفُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَحْمِلُ جِرَابَ الدَّقِيقِ لَيْلًا عَلَى ظَهْرِهِ لِيُعْطِيَهُ الْفُقَرَاءَ!

تِلْكَ عِبَادَ اللهِ شَذَرَاتٌ مِنْ أَخْبَارِ الْقَوْمِ مَعَ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَمُسْتَحَبَّاتِ الطَّاعَاتِ، فَلَا تَسَلْ بَعْدَ ذَلِكَ: كَيْفَ يَكُونُ حِرْصُهُمْ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَاهْتِمَامُهُمْ بِالْفَرَائِضِ.

لَا تَعْرِضَنَّ بِذِكْرِنَا مَعْ ذِكْرِهِمْ

لَيْسَ الصَّحِيحُ إِذَا مَشَى كَالْـمُقْعَدِ

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْـحَكِيمِ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْـخطْبةُ الثَّانِيَةُ:

الْـحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِ الْـمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْـمُتَّقِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: الثَّبَاتُ عَلَى صَالِحِ الْعَمَلِ هُوَ نِدَاءُ الرَّحْمَنِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77].

وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِصَفْوَتِهِ مِنْ رُسُلِهِ؛ قَالَ عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السلام: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31]

فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ، تَحْتَاجُ إِلَى سِقَايَةٍ وَرِعَايَةٍ لِتَنْمُوَ وَتُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَنْ يَبْلُغَ الْعَبْدُ مَنْزِلَةَ عِبَادِ اللهِ الْـمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ إِلَّا بِالثَّبَاتِ عَلَى صَالِحِ الْأَعْمَالِ ثَبَاتًا لَا يَنْقَطِعُ دُونَ الْـمَوْتِ.

عِبَادَ اللهِ:

وَإِذَا وُفِّقَ الْعَبْدُ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِ الْـمَكَاسِبُ، وَحَفَّتْ بِهِ الْـمَوَاهِبُ، فَمَحَبَّةُ اللهِ تُزَفُّ لَهُ؛ «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».[8]

وَسَيِّئَاتُهُ وَخَطِيئَاتُهُ فِي تَكْفِيرٍ دَائِمٍ؛ «الصَّلَوَاتُ الْـخَمْسُ، وَالْـجُمُعَةُ إِلَى الْـجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ».[9]

وَإِنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ عَنْ طَاعَتِهِ، فَأَجْرُهُ مُدَّخَرٌ، وَثَوَابُهُ مَحْفُوظٌ؛ «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»[10].

الْـمُدَاوِمُ عَلَى الطَّاعَةِ أَهْلٌ لِأَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِخَيْرٍ؛ فَالْوَاقِعُ وَالسُّنَنُ تَشْهَدُ أَنَّهُ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، الدَّوَامُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي الرَّخَاءِ سَبَبٌ لِتَقَشُّعِ الْكُرُوبِ فِي الشِّدَّةِ؛ «تَعَرَّفْ عَلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[11].

الدَّوَامُ عَلَى الطَّاعَةِ سَبَبٌ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَرَاحَةِ النَّفْسِ؛ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

فَيَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، هَا قَدْ طَرَقْتُمْ أَبْوَابًا مِنَ الطَّاعَاتِ فِي أيام العشـر الخاليات، فَوَاصِلُوا الْـمَسِيرَ فِي دُرُوبِ الطَّاعَاتِ، وَامْلَؤُوا دِيوَانَ حَسَنَاتِكُمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَمَنْ زَرَعَ فِي دُنْيَاهُ حَصَدَ فِي أُخْرَاهُ، وَمَنْ تَغَافَلَ عَنْ بَذْرِ الْـحَصَادِ، تَأَوَّهَ نَادِمًا يَوْمَ التَّنَادِ.

ثُمَّ أَبْشِـرُوا أَيُّهَا الْعَامِلُونَ وَأَمِّلُوا؛ فَرَبُّكُمْ كَرِيمٌ شَكُورٌ، يُرْبِي الصَّدَقَاتِ، وَيُضَاعِفُ الْأُجُورَ؛ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء:94].

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / إبراهيم بن صالح العجلان

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة