حجم الخط:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي شرف هذه الأمة؛ فجعلها خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، أحمده تعالى وأشكره على ما أولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، كتب الخيرية والفلاح لدعاة الخير والإصلاح.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حامل لواء الدعوة والجهاد والكفاح، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على نهجه، وترسموا خطاه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم نلقاه.

أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

أيها المسلمون: إن الإيمان بالله عز وجل ، والدعوة إليه، والنصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر، وإشاعة الخير والفضيلة بين الناس، ومحاربة الشر والرذيلة والفساد واستئصاله من المجتمع - من أبرز سمات هذه الأمة، أمة محمد ، التي فاقت بها سائر الأمم، يقول الله جل وعلا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

لذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القطب الأعظم في هذا الدين، والمهمة الكبرى للأنبياء والمرسلين والصالحين، بل قد عدَّه بضع أهل العلم ركنًا سادسًا من أركان الإسلام، كل ذلك لما يشتمل عليه من الفضل العظيم، والخير العميم، والفوائد والمصالح العاجلة والآجلة، ولما يترتب على تركه من استشراء الباطل وانتشار الفساد، وغلبة المعاصي وهيمنتها، وهي الجالبة لسخط الله، المنذرة بمقت الله وعاجل عقوبته على الأفراد والأمم.

أمة الإسلام: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الإيمان، وإن تركه علامة النفاق: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:67] ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [التوبة:71].

وهما من أعظم أسباب النصر على الأعداء والتمكين في الأرض، قال عز من قائل: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:40-41].

وهما طوق النجاة وسربال الحياة: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165].

وبالجملة؛ فهما من أفضل الأعمال، وآكد الفرائض، وأوجب الواجبات، وألزم الحقوق، وقد جاء كتاب الله وسنة رسوله بما يؤيد ذلك، يقول أصدق القائلين: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

وروى مسلمٌ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[1] وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»[2].

وروى الترمذي وغيره عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي قال: «والذي نفسـي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»[3].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتقِ الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض -ثم قال-:﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٧٨﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79]».

إخوة العقيدة: أرأيتم لو أن فردًا أصيب بمرضٍ عضال في جزءٍ من جسمه فأهمله، أوليس يستشري المرض في جسده كله، فيتعسر علاجه ويتعذر شفاؤه، كذلكم المنكر -يا عباد الله- إذا ظهر وتُرك فلم يغير، فإنه لا يلبث أن يألفه الناس ويعتادوه، وعندئذٍ يصبح من العسير تغييره وإزالته، فتعم المنكرات، وتنتشر الفواحش، وتغرق سفينة الأمة.

وقد ضرب رسول الله مثالًا مثاليًا على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا»[4].

أيها الإخوة في الله: المعروف الذي جاء الشرع بالأمر به: اسمٌ يجمع كل ما أمر الله به ورسوله، من العقائد والأقوال والأفعال، كالإيمان وشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة ونحوها.

والمنكر: ما أنكره الله ورسوله، وأقبح ذلك وأعظمه منكرات العقائد، والأمور المبتدعة في الدين، وكبائر الذنوب، وسائر المعاصي.

أمة الإسلام: يا خير أمة أخرجت للناس! إن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقصورًا على أحدٍ بعينه من الأشخاص أو الهيئات، ولكنه واجب كل مسلم وكل على قدر استطاعته، وبحسب منزلته ومكانته، بيد أن على أهل الحل والعقد من الدعاة والعلماء، والوجهاء والمختصين ما ليس على غيرهم، فالأب مسئولٌ عن أسرته وأهله وأولاده، والمعلم في مجاله، والموظف في دائرته، والتاجر في سوقه، وهكذا كل على ثغرة من ثغور الإسلام: «وكلٌ راعٍ ومسئولٌ عن رعيته».[5]

بل المسلم الحق حيثما حل وقع أفاد ونفع؛ لأنه عضوٌ في جسد هذه الأمة، له مكانته وعليه واجباته، وهو مطالب بالتفاعل مع مجتمعه، والألم لألمه، والنشاط في محيطه، نشـرًا للخير والصلاح، ودرءًا للشر والفساد.

فلنتق الله -يا عباد الله-، وليكن كل واحدٍ هنا هيئة بذاته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولنتعاون في تحقيق هذا المبدأ العظيم، ولنكن يدًا واحدة على من يريد خرق سفينة أمتنا بالشر والفساد، رائدنا في ذلك الإخلاص، والحكمة والشفقة، والرفق والأناة والرحمة؛ فتلك أبرز الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها من يتصدَّى لهذا الأمر العظيم.

فهم دعاة خيرٍ ورحمة، وحرصٍ وشفقة، وغيرة على دين الله القويم، وخوفٍ على إخوانهم المسلمين، ومن كان بهذا المثابة، فأولى أن يساند ويعاضد، ويشجع، ويآزر ويكرم ماديًا ومعنويًا.

يا خير أمةٍ أخرجت للناس: إنه إذا أفلت زمام هذا الأمر وطوي بساطه، وقّلَّ أنصاره وأخفقت رايته، وأهمل علمه وعمله، فشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وفسدت البلاد، وهلك العباد.

وإن الناظر فيما أصاب المجتمعات المعاصرة من تفاقم المحرمات، وانتشار المنكرات، مما تعجز عن وصفه الكلمات، ويترجم عنه الحال في كثيرٍ من الجوانب العقدية والشـرعية؛ والأخلاقية والفكرية، مما ذهبت معه الغيرة، وهتكت من أجله الأعراض، وانتشرت الأفكار الهدَّامة، والمبادئ المنحرفة، وتطاول فيه الفساق من الرجال والشباب والنساء، ليتساءل: أين الغيرة الإسلامية؟! وأين الحمية الدينية؟! بل أين النزعة الإنسانية، والشهامة العربية، والرجولة الأصلية؟! هل نزعت من القلوب، واضمحلت من النفوس؟!

إنه إذا كثر الخبث وانتشر الفساد ولم يُغيَّر، عمَّ العذاب الصالح والطالح، فعن أم المؤمنين زينب بنت حش رضي الله عنها قالت: «قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»[6]، ومع ذلك كله، فلا يزال ولله الحمد والمنة في أرض الله من هو قائمٌ لله بحجته، وصادعٌ بدعوته.

ولا نيأس من روح الله، بل نتفاءل خيرًا إن شاء الله، ولكن الأمر بحاجة إلى المزيد من الجهود الإسلامية المتظافرة؛ لتحقيق هذا المبدأ العظيم، ونشره في بلاد المسلمين، ليعم الخير وينتشر، ويتوارى الباطل ويندحر، وما ذلك على الله بعزيز.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وبسنة سيد المرسلين، وهدانا صراطه المستقيم، وتاب علينا أجمعين، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

لقد كان العلماء والصالحون السابقون أحرص الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، قال شجاع بن الوليد: (كنت أخرج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا).

قال أبو الدرداء: «لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعوا عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم. قال حذيفة عندما سئل عن ميت الأحياء؟ هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه».

قالت أم الدرداء: «من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه».

قال سفيان الثوري: (إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق).

وعن يعقوب بن شيبة قال: قال لنا الأوزاعي: (لما فرغ عم السفاح من قتل بني أمية، بعث إليّ، فقال لي: أخبرني عن الخلافة، وصية لنا من رسول الله ؟ فقلت: لو كانت وصية من رسول الله ما ترك علي رضي الله عنه أحدًا يتقدمه، قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قلت: إن كانت لهم حلالًا، فهي عليك حرام، وإن كانت عليهم حرامًا، فهي عليك أحرم. فأمرني فأُخرجت).

وقال إبراهيم بن الأشعث: (كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكي حتى لكأنه يودِّع أصحابه ذاهب إلى الآخرة..).

وكان الفقيه الواعظ أحمد الغزالي يدخل القرى والضياع، ويعظ أهل البوادي تقربًا إلى الله.

فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا بما أوجب الله عليكم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقد عرفتم منزلته ومكانته في هذا الدين، والأدلة عليه، والوعيد الشديد على من تركه وأهمله، وأدركتم ما وصل إليه الحال، وبان لكم أسباب ذلك ونتائجه الوخيمة.

ووقفتم على وصفة من علاج ذلك الأمر، وصفات من يقوم به، فلم يبقَ إلا العمل الجاد المخلص، المبني على أسسٍ سليمة، وقواعد محكمة حكيمة، وترك التواني والتواكل والتلاوم، وإلقاء التبعة على الآخرين.

فلو قام كلٌ منا بواجبه، وعرف دوره ورسالته، وتعاون مع إخوانه، لم يجد الباطل سبيلًا، ولم يلق الفساد رواجًا، ولكنها سنة الله في خلقه، لينظر من يجد ويعمل، ممن يترك الحبل على الغارب ويهمل.

ولكم في رسول الله القدوة الحسنة، فقد كان أشد الناس غيرة على دين الله، وحرصًا على تبليغ رسالة الله، وغضبًا إذا انتهكت حرمات الله.

ألا فصلوا وسلموا عليه صلاة متبعٍ له مقتدٍ به، مهتدٍ بهديه، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عبد الرحمن السديس

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة