الحمد لله مُجيب من دعاه، وهادي من استهداه، أحمده وأشكره على جزيل مِنَحه ووافر عطاياه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا رسول الله وخليله ومُصطفاه، صلى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم أن نلقاه.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119].
أيها المسلمون:
دخل علينا في هذه الأيام شهر جديد، ونزل ضيفا علينا، ألا وهو شهر صفَر، وشهر صفر هو أحد الشهور الاثني عشر الهجرية، ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [التوبة:36] وشهر صفر هو الشهر الذي بعد المحرم، وإنما سمي صفرا: لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، وروي عن رؤبة أنه قال: (سموا الشهر صفرا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون من لقوا صفرا من المتاع، وذلك أن صفرا بعد المحرم)[1]، ولقد كان للعرب في جاهليتهم وقبل الإسلام في شهر صفر منكران عظيمان:
الأول: التلاعب فيه تقديمًا وتأخيرًا حيث (كانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا - أي: يوافقوا - عدة الأشهر الأربعة[2]) حتى لا تحول الأزمنة الفاضلة بينهم وبين ما يشتهون.
أما المنكر الثاني الذي يرتكبه العرب في هذا الشهر فهو: التشاؤم حيث يعتقدون أن شهر صفر شهر حلول المكاره ونزول المصائب، وقد كان المشركون يتشاءمون من شهر صفر لأنهم يعودون فيه إلى السلب والنهب والغزو والقتل بعد الكف عنها في الأشهر الحرم، حتى أنه لا يتزوج من أراد الزواج في هذا الشهر لاعتقاده أن لا يوفق، ومن أراد تجارة فإنه لا يمضـي صفقته في شهر صفر خشية ألا يربح.
أيها المسلمون: إن من أوجب الواجبات على العباد معرفة الله عز وجل وتوحيده وعبادته والتوكل عليه، والحذر مما يناقض ذلك من الشـرك، والخرافات والبدع؛ لأن التوحيد هو القاعدة والأساس في دين الإسلام فلا يقبل الله عملًا إلا به، وهو أصل الأصول الذي خُلقنا لأجله، والأعمال كلها متوقف قبولها واعتبارها على تحقيق هذا الأصل العظيم، ولقد تنادت الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظافرة، والأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على عظم أمر التوحيد وخطر ما يضاده، فالشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتغويهم، وإن مما يضاد التوحيد، ويناقضه ما اعتقده أهل الجاهلية، وأتباعهم في هذا الزمان من اعتقادات وبدع في بعض الأيام وبعض الشهور من العام، ومن ذلك ما يعتقده البعض في هذا الشهر من العام ألا وهو شهر صفر، وإذا كان أهل الجاهلية يعتقدون في بعض الأشهر الاعتقادات الباطلة فإن الناظر لحالهم قد يجد لهم عذرًا وهو جهلهم وبُعدهم عن الهدي الرباني السليم، والواضح فهم لا يعلمون، إذًا فما بال فئة من أمة محمد ﷺ ممن هم من أهل التوحيد، والهدي الرباني النبوي أبت أنفسهم إلا التشبه بأهل الجاهلية، والحذو حذوهم في بعض بدعهم واعتقاداتهم، فهناك من أمة محمد ȁ من يتشاءم بهذا الشهر شهر صفر، وطائفة تمنع إقامة حفلات النكاح في هذا الشهر تمسكًا بما عليه أهل الجاهلية من التشاؤم، وفي بعض البلدان توجد خرافات أخرى وخزعبلات لا يقرها عقل ولا شرع.
أيها الناس: لقد حارب النبي ȁ هذه المعتقدات الباطلة، فقد ثبت عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ»[3] أراد ﷺ بهذا الحديث نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من الاعتقادات الباطلة التي تؤثر في القلب وتضعف الظن الحسن بالله عز وجل، (فلا عدوى أي لا عدوى مؤثرة بطبعها؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن العدوى تؤثر بنفسها تأثيرًا لا مرد له، وتأثيرًا لا صارف له، ولا طيرة أي لا تشاؤم ومعناه لا تتطيروا ولا يقع منكم ذلك)[4].
(ولا صفر: وهو تأخير المحرم إلى صفر في النسئ، أو دابة بالبطن تعدى عند العرب، ويحتمل أن يكون نفيا لما يتوهم أن شهر صفر تكثر فيه الدواهي والفتن)[5].
فأبطل النبي ȁ بهذا الحديث قضية التشاؤم في شهر صفر، وأنه ليس من الدين في شيء، وأن شهر صفر شهر من الأشهر التي عدها الله عز وجل، وأيامه من أيام الله تبارك وتعالى فليس فيها ما يدعيه بعض الجهلة بالدين، من الذين لبس الشيطان عليهم.
أيها المسلمون: ومن البدع المنتشرة في هذا الشهر: الاعتقاد أن آخر يوم أربعاء من الشهر ينزل الله سبحانه فيه البليات، والمصائب، والكوارث حتى وصل الحال لدى بعضهم بأن يكون ذلك اليوم هو أصعب أيام السنة وأشدها، وعلى هذا فمن أراد الخلاص من شرور ذلك اليوم أن يصلي لله تعالى أربع ركعات بصفة معينة ثم يختم صلاته بدعاء معين ومنه: اللهم أكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات، ويا دافع البليات،... الخ، وهذا من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الدين الحنيف، والتي لم يثبت عن الرسول ȁ، ولا عن أحد من أصحابه -رضوان الله عليهم- منها شيء، ولا يوجد لها أصلٌ في الشرع لا من الكتاب ولا من السنة، وقد روت أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[6].
عباد الله: من البدع المحدثة في هذا الزمان ما يراه البعض، وهو معتقد بذلك أن من يقرأ في آخر أربعاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف:21] من قرأها كذا مرة فإنها تدفع الشر، وتزيل المكاره التي تنزل آخر شهر صفر، وهذا من الأمور التي لم تثبت في ديننا، وليس لها أصل، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وإليكم نص الفتوى حيث جاء في الفتوى:
هذه النافلة المذكورة لا نعلم لها أصلًا من الكتاب، ولا من السنة، ولم يثبت لدينا أن أحدا من سلف هذه الأمة وصالحي خلفها عمل بهذه النافلة، بل هي بدعة منكرة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»[7] وفي صحيح البخاري: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»[8]، ومن نسب هذه الصلاة وما ذكر معها إلى النبي ﷺ أو إلى أحد من الصحابة رضي الله عنهم فقد أعظم الفرية، وعليه من الله ما يستحق من عقوبة الكذابين، وبالله التوفيق.
الحمد لله رب العالمين معز من أطاعه، ومذل من عصاه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على البشير النذير، والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير.
أما بعد:
أيها الموحدون: هل يؤثر الزمان بنفسه؟ هل يصرّف الدهر شؤونه؟ هل للوقت تأثير بذاته؟ فلماذا يعتقد الناس في يوم أو شهر أو سنة أو زمان أو مكان؛ بأنه يجلب خيرًا أو يدفع شرًا وضرًا؟ ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿٤٩﴾ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر:49-50]، الله وحده خالق الخلق ومقدر الأقدار، وهو الدهر الذي يقلب الليل والنهار. إن من سلامة قلب المؤمن وصدق إيمانه أن لا يعقل قلبه بغير الله خوفًا ولا طمعًا، رغبة ولا رهبة، خشية ولا محبة، ولا يتكل على غير الله كائنًا ما كان ذلك الشيء.
وإن من البدع التي يعتقدها بعض الناس -هداهم الله- أن من يتزوج في هذا الشهر لا يوفق في زواجه، ومصيره إلى الفشل، فتراهم لا يقيمون فيه مناسبة ولا فرحًا، ولا يعقدون فيه ولا يتّجرون، وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن من يتصف بهذه الصفة، ويعتقد هذا الاعتقاد أن هذا نتيجة جهلهم بالدين عمومًا، وضعف عقيدة التوحيد فيهم خصوصًا، وسبب ذلك الجهل، ونقص التوحيد، وضعف الإيمان، هو عدم انتشار الوعي الصحيح فيهم، ومخالطة أهل البدع والضلال، فينبغي على العبد الحذر كل الحذر من أن يوقع نفسه في الإثم، وأن تزل قدمه.
ومن العجيب أن هؤلاء لم يكتفوا بمخالفتهم للهدي النبوي، وللدين الإلهي، بل تراهم يستدلون على هذه البدع والخرافات بأحاديث مكذوبة، وموضوعة على النبي ȁ.
من ذلك قولهم: «من بشرني بخروج صفر بشرته بالجنة» وهذا الحديث باطل لا أصل له قال الإمام الألباني عنه: (موضوع)[9].
وقال صاحب كتاب الفتاوى الهندية: (هو كذب محض)[10].
إن على هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وأن يراجعوا أنفسهم، وعلاقتهم وإيمانهم بالله تبارك وتعالى وأن يعلموا علمًا يقينيًا حقيقة قول الله عز وجل ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد:22]، ويؤمنوا إيمانًا صادقًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن:11].
هذا هو حال المؤمن الصادق، والواثق بما عند الله عز وجل العالم علمًا يقينيًا لا يتطرق إليه شك أنه لن يقع إلا ما أراد الله في وقت رضيه تبارك وتعالى، وفق قضائه وقدره عز وجل، ويكون نصب عينيه حديث عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[11].
فالمؤمن يجب عليه أن يتوكل على الله حق التوكل، وأن يعلم أن الطيرة باطلة، ولا أثر للأسباب إلا بقضاء الله وقدره، وإنما ذكر اللّه تعالى الأسباب؛ لأن الشـرائع تتعلق بها، والأحكام عائدة عليها بالثواب والعقاب، فالعبد لا بد أن يعتقد أنه لا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون سواه، وأن الرب الذي يرزق، ويشفي، ويحي، ويميت، بأسباب، وهو قادر على أن يرزق، ويشفي، ويحي، ويميت، من غير أسباب، ولكن الأخذ بالأسباب ركن من أركان التوكل على الله فلا يضر التصرف في أسباب العيش، والتكسب في أسباب الرزق، والأخذ بأسباب الشفاء، والنجاة من الهلاك لمن صحّ توكله، وهذا لا يقدح في مقامه ولا ينقص ذلك من حاله، فالموحد يعلم أن اللّه تعالى قد جعل في الأسباب منافع خلقه، ومفاتح رزقه، وخزائن حكمته، ويعلم أنه بهذا مقتد في ذلك بنبيه ȁ، ومتبعٌ لسنته.
عباد الله: إن بعض الناس يدفعه حبه لمنهجه فيقوم بمخالفة أهل الجاهلية في تشاؤمهم بشهر صفر فيقول في شهر صفر: إنه شهر الخير، وهذا الفعل يدخل في باب مدافعة البدعة بالبدعة؛ لأن هذا الشهر إنما هو كسائر شهور السنة، فلا يوصف بخير ولا بشر، بل يقع فيه ما قدره الله عز وجل من المقادير، ولا يحصل فيه إلا ما قضاه وقدره الله، ولم يختص الله هذا الشهر بوقوع مكارم أو مكاره، فهو شهر من أشهر الله، وزمان من الأزمنة، والأزمنة لا دخل لها في التأثير ولا في ما يقدره الله سبحانه، إن التشاؤم بالأزمنة، أو بالأشهر، أو ببعض الأيام أمر يبطله الإسلام لما فيه من الظن السيئ بالرب -سبحانه-، ولما فيه من الاعتقاد الباطل الذي لا ينبني على دليل أو برهان، وهذا التشاؤم في هذا الشهر أو غيره من جنس الطيرة التي نهى عنها ﷺ.
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة:51].
نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يهدينا سواء السبيل، وأن يرزقنا اتباع منهجه القويم على النهج الذي يرتضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /عبد الرحمن السديس