الحمد لله، الحمد لله خلقَ وأمَر، وملكَ فقهَر، وأراد فقدَّر، أحمده سبحانه وأشكرُه وهبَ وأعطى، وأغنَى وأقنَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه صفوةُ الأخيار وقُدوةُ الأبرار، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه أهل الفضل والتُّقى، ما وهَنوا لما أصابَهم في سبيل الله وما ضعُفُوا وما استكانُوا، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، فالتقوى وصية الله للأولين والآخرين، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
عباد الله: ما مِنْ أَحَدٍ إلا وينشد الاستقرارَ له ولأسْرته، وَيَتَمَنَّى أن تُرَفْرفَ السعادةُ على بيتِه، فينشأ الأولادُ في جوٍّ تَسُودُه المحبَّة والاحترامُ، فيؤثِّر ذلك في أخْلاقِهم، وفي تعامُلهم فيما بينهم، وفي تعامُلهم مع أهْل حيِّهم وأقاربهم.
والرجلُ قد شَرَّفَهُ الله تعالى وكلَّفَهُ بالقوامة على أهْل بيته، فهو ربان السفينة، فبالصبرِ والحكمةِ وترسُّم هدْي النبي يَعْبُر بأسرته - بإذن الله - إلى برِّ الأمان.
فمِن أسباب استقرار الأسْرة: الاحترامُ المتبادَل بين الزوجَيْنِ.
ومما يزيد الألْفة بين الزوجَيْن: الترفُّق بالزوجة ومناداتها وتكْنيتها بما تُحِب من الكنى، وتلقيبها بالألْقاب الحسنة التي فيها ميزة على غَيْرِها منَ النساء؛ مِن صلاح دين، أو حُسْن خُلُق، أو زيادة جَمال، أو حُسن تدْبير في بيتها، أو غير ذلك مما تمْتاز به عنْ غيرِها من النساء، وترخيم اسمها عند ندائِها، وذلك بحذْف أواخِر الاسْم؛ تمْليحًا لها، وإظْهارًا لقَدْرِها عند زَوْجِها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: قال رسول الله ﷺ: «يا عائش، هذا جبريل يُقرئك السلام»، قلت: «وعليه السلام ورحمة الله، قالت: وهو يرى ما لا نرى» رواه البخاري (6201)، ومسلم (2447).
فالعربُ تُرخِّم المنادَى لأغراضٍ بلاغيةٍ، منها: تَمْليح الاسم، فيُستبعد منَ المرأة حينما تسمع الكلام الطيب من زَوْجِها أن تُسْمِعه كلامًا يسوءُه؛ بل غالبًا تُسمعه خيرًا مما سمعتْه منه، وهذا الكلامُ الطيب الذي يزيد الألْفة والمحبَّة بين الزوجَيْن، ويَحُول بين كثير من المشاكل التي قد تقع بين الزوجين؛ بسبب الملاسَنة - فهذا الكلام الطيب عبادةٌ وقربة يؤجَر عليه الزوجان.
أيها الناس: حينما تجْتهد المرأةُ في عملِها في البَيْت، ثم تخفق في صنْعة طعام، أو تدريس لولد، أو علاج مشكلة، أو غير ذلك، فليس من الحكمة إظهار الامتعاض ونقْدها؛ بل الأفْضَل التغاضِي عن هذا الخطأ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما عاب النبي ȁ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تَرَكَهُ»[1].
لكن لو سألتِ المرأةُ واستفسرتْ، بيَّن لها الخطأ بأُسْلوب لا يَجْرح مشاعِرها؛ فحينما امتنع النبيُّ ﷺ عنْ أكل الضبِّ، سألَهُ أصحابه، فبَيَّنَ لهم سبب تَرْكه.
فعن عبد الله بن عباس، قال: دخلْتُ أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأَهْوى إليه رسول الله ﷺ بِيَدِه، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقيل: أحرامٌ هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه لم يكنْ بأرض قومي، فأجدني أعافه»، قال خالد: فاجتررته فأكلْته، ورسول الله ﷺ ينظر[2].
ومِن أسباب اسْتِقرار البيوت، وقلَّة المشاكل فيها: ترْك كثْرة العتب والتعنيف على مظاهِر القُصُور، التي تُرَى على الزَّوْجة والأولاد، وربما بعض هذه الأشياء لا كسْب لهم فيها، ويحب البعضُ أن يَتَجَاوَزَها؛ لكنه لا يستطيع؛ لأنها مما لا يُقدر عليها، فلننظرْ إلى النواحي الحَسَنَة فيهم، وهي كثيرة.
| وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا |
| كَفَى المَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ |
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كمل منَ الرجال كثيرٌ، ولم يكملْ منَ النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران»[3].
فالكمال في الرِّجال عزيزٌ، فكيف نطْلب الكمال في النساء والصغار؟! وحينما سأل النبي بريرة عن أم المؤمنين عائشة في قصة الإفْك، قالت: (والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أَغْمِصُهُ عليها قط أكثرَ من أنها جارية حديثة السِّن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله)[4].
فهذه عائشة تعجن العجينة لطَبْخ الطعام، فتنام عن العجينة، فتأتي الشاة في البيت فتأكل العجين، وفي الغالب أن النبي لن يأكل الطعام، أو سيتأخر طعامه، ولم ينقل عنه العتب عليها، فضلًا عن الشَّتْم والسَّبِّ، فضلًا عن الضَّرْب والتَّهديد بالطلاق.
إخوتي: لِين الكلام وطيبه عبادةٌ وقُربة نؤجَر عليها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل سلامَى مِنَ الناس عليه صدقة، كل يوم تطلُع فيه الشمسُ يعدل بين الاثْنَيْن صدقة، ويُعين الرَّجل على دابته فيحمل عليها أو يرْفع عليها متاعَه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خُطوة يَخْطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عنِ الطريق صدقة»[5].
فإذا كانت الكلمةُ الطيبةُ مع الأباعد صدقة، فكَوْنها صدقة مع الأقارب أَحْرى وأَوْلَى.
لنحْرص على الدُّعاء، ومدْح مَن أَحْسن من أهْلِ البيت، ولنثْني على عمَلِه الحسن؛ سواء كان زوجةً أم ابنًا أم بنتًا، فبالثناءِ يشعر الممدوحُ أن له قدرًا، وله ميزة على غيره، فيحاول أن يزدادَ من الأعمال التي تزينه، وترفع قدره، وعلى أقل تقدير يُحاول أن يحافظَ على نظرة أهلِه إليه، بخلاف من يسمع التأنيب والذم، يستمرِئ ذلك، ويشعر أنه لا يوجَد عنده شيء يحرص على ألاَّ يخسره ويحافظ عليه.
معاشر الإخْوة: ربما وَقَع في نفْس البعْض: عَلامَ المدح والثناء على أمْرٍ واجبٍ؟! فلم يفعل أهْل البيت إلا ما وجب عليهم، فهو يظن أنه لا يستحق الثناء إلا مَن تطوَّع بأمْرٍ غير واجب عليه، ولا شك أنَّ هذا الفَهْم مجانِب للصواب، فلو تأمَّلْنا كتابَ ربِّنا، وسُنة نبينا، لوجَدْنا فيهما مدْحًا وثناءً على مَن فعل الواجبات، وتَرَك المحرَّمات، كما أن فيهما توبيخًا وتهديدًا لِمَن أخَلَّ بالواجبات، وارْتَكَبَ المحرَّمات، وهذا غاية في العدْل، فيمدح ويُثاب المحسن، ويوبَّخ ويعاقَب المُخْطئ؛ يقول ربنا - تبارك وتعالى -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون:1-11]، فامْتَدَحَ اللهُ في هذه الآيات المؤمنين، الذين يفعلون الواجبات، ويتْركون المنهِيَّات، ووَصَفَهُم بالمُفْلحين، وهي صِفة مدْح، وبَشَّرَهم بالخُلُود في الفِرْدوس.
الحمد لله نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله التوفيق والهداية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرشد الأمة بقوله: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنين، وقوموا بحقوق الله عليكم في أنفسكم وأهليكم، ولا تنسوا الفضل بينكم، واعلموا أن من آداب البيت المسلم التغافل والتغاضي، والعفو والصفح، والرفق والأناة، واللين والرحمة.
أيها الآباء والأمهات.. كثيرٌ مِن تصـرُّفات الأبناء الخاطئة - سواء داخل البيوت أم خارجها - يجب أن ينظرَ إليها من غير معزل عن السن، فسن الصِّغَر سن يغلب عليه كثرة الحركة، والعَبَث، والتهرُّب من المسؤولية؛ فعن أنس قال: «خدمْت رسولَ الله ﷺ تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لمَ فعلتَ كذا وكذا؟ ولا عابَ عليَّ شيئًا قط»[6].
فأنس خَدَم النبي حينما قدم المدينة، وكان صغيرًا، ويبدر منه ما يبدر منَ الصبيان، ومع ذلك لم يعاتبْه النبي ﷺ على ترْك ما يجب عليه فعْله، وعلى فعل ما يجب عليه ترْكه.
فالصَّغير لا يقدِّر عواقب كثيرٍ منَ الأعمال؛ فلذا في بعض الأحيان هو أول من يتضـرَّر بتصرُّفاته الخاطئة، فلْتعالج هذه الأخطاء بشيءٍ من الصبر والحكمة، ولنوطِّن أنفسنا أننا لن نتمكَّن من أن نجعلهم يتصرَّفُون تصرُّفات الكبار، فلْنتحمّل بعض أخطائهم، ومَن يُكثر العتب عليهم، فلْيَرْجع بذاكرته إلى الوراء، وليتذكَّر ماذا كان يبدر منه ومن أتْرابه من تصرُّفات حينما كان صغيرًا، وأثناء فترة المراهقة، لا شك أن الأمر مختلفٌ بعض الشيء؛ لكن الاختلاف راجع إلى طبيعة العصر والأشياء المتاحة.
ولستُ في مقامي هذا أدعو لترْك متابَعة الأولاد، أو أبرِّر أخطاءَهم؛ بل أدْعو إلى النظرة الواقعية في نقْد تصرُّفاتهم وتوجيهها، ففرْق بين إهمال الأولاد، وبين الغِلظة في معاملتهم، وكثرة التَّوْبيخ، والتَّبْكيت لهم.
وإن من أخطاء بعض الأبناء أنهم لا يتعامَلون مع الأب على أن له حقًّا افْترضَه الله عليهم، من طاعته، وبرِّه، والإحسان إليه، والقيام بمصالحه، فهُمْ أبعد مِن أن يدركوا ذلك في صغرهم، فهم يتعامَلون مع الأب وفْق المصالح، فإنْ كان الأب يوفِّر لهم بعض ما يطلبونه، بادَرُوا الأب بشـيء من التقدير، والسَّمْع والطاعة، ومراعاته، وإن كانت الأخرى حصل التمرُّد والعصيان.
معاشر الأبناء: ليحرص الواحد منكم على ضبْط تصرُّفاته، ولْيتجنّب ما يُؤذي الآخرين، فليس من العقلِ أن نسيءَ إلى مَن حولنا؛ لتقدِّروا مَن هم أكبر منكم سنًّا، لا تُسيئوا للأماكن العامة؛ كالمساجد، والمدارس، وغيرها، وكذا ممتلكات الآخرين، فلا تتسبَّبوا في إدخال الضَّرر على أحد من المسلمين.
معاشر الأبناء: إذا لم تحسنوا للأبوين، فعلى الأقل لا تسيئوا لهما، فلا تكونوا مصدر هَمٍّ وقلق لهما، فلا تجعلوهما دائمًا في شغْل بكم؛ بحثًا عنكم، وانشغالًا بكم، لا تَتَسَبَّبوا في إحْراجهما بعتب الناس عليهما؛ بسبب تصرُّفاتكم، فهل ترضى أن يتعرَّض أبوك وأمك إلى عتب الناس المباشر لهما، أو أن يتحَدَّثوا عنهما في مجالِسهم، ويصفوهما بالتقصير في تربيتك؛ بسبب ما يصدر منك من تصرُّفات يتأذَّى بها الناسُ.
أيها الشاب: إذا أردتَ أن تكون مستقرًّا، مرتاحًا، محبوبًا عند أهل البيت وعند الناس، وأن تكون محل ثنائهم وتقديرهم - فانظر إلى من هُمْ في سنِّك ممن يجلُّهم الناس ويقدرونهم لأدبهم وأخلاقهم، فاسلكْ مسلكهم، ولا تنس أن تؤدب نفسك بقراءة الكتب التربوية والاطلاع على سير الصالحين من العلماء والحكماء والصحابة والتابعين، فإن في ذلك تربية عظيمة للنفس وحثًّا لها على الفضائل.
تلك معالم بارزة وإشارات مختصرة قد تكون عونًا على استقرار البيوت إن روعيت بعين التأمل والبصيرة، وأُخذت بمأخذ الجد والعمل والتطبيق، ولا شك أن البيوت تستحق منا السعي الصادق والعمل على استقرارها وتأمينها، فصلاحها صلاح المجتمع والأمة بأسرها، وفقنا الله لما يرضيه، وهدانا لأحسن الأخلاق والآداب..
هذا وصلوا وسلموا....
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /أحمد الزومان