قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ [البقرة: 178].
وقال الله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ [المائدة: 45].
وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ [النساء: 92].
دلَّت الآيات السابقة على الآتي:
أ. أن الأصل في حكم فعل العمد: القصاص؛ سواء كان الجاني ذكرًا أو أنثى حرًا أو عبدًا، ومن ذلك قتل العمد إلا أن يُعفى عن الجاني، وأن العفو قد يكون بمقابل مادي أو معنوي أو بدونه، وهو الأفضل لما فيه من الجزاء عند الله، وأن في الجروح قصاص بالمثل إلا أن يُعفى عن الجاني، وأن القصاص في الجرح الذي تلزم فيه المماثلة ويلزم منها استقرار الجرح وبرؤه، وأن يكون الموضع تصلح فيه المماثلة، وإلا ففي الجروح أروش مقدرة لتعذر القصاص.
ب. أن في قتل الخطأ الدية والكفارة، وبما أن العمد له حكمه المبيَن سابقًا، وشبه العمد ليس عمدًا فلا يأخذ حكمه فكان إلحاقه بالخطأ؛ لأن الله لم يذكر غير العمد والخطأ، فأي قتل لم يتبين فيه العمد فهو خطأ، وجعل النبي ﷺ فيه الدية المغلظة لما في الجناية من شبه بالعمد. والله أعلم.
ج. وأما تحميل دية القتل الخطأ على العاقلة -وهم العصبة، وسمُّوا عاقلة لأنهم كانوا يعقلون إبل الدية عند بيت المقتول- فقد قال القرطبي: (أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ). اهـ
د. ولعلَّ تحميلهم روعي فيه أنه من بقايا ملة إبراهيم عليه السلام والله أعلم.
هـ. وأما أن دية الجنين (ذكر أو أنثى) إذا خرج ميتًا ثمن عبد أو أمة أي عُشـر دية أمه، فلأنها نفس فلا بد من ديتها بما يناسبها، قال ابن عبد البر في التمهيد: (وَقَدْ كَانَ لِلْغُرَّةِ أَصْلٌ مَعْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِشَرَفِهِ أَنْ يُودَى دِيَةً كَامِلَةً). اهـ
قلت: فدية الجنين وتحميل الدية على العاقلة إما أن يكونا من شرع من قبلنا، وإما أن رسول الله ﷺ قضى فيهما بالعرف، والأول أقرب، والله أعلم.