وهي مكية، [وعدد آياتها (40) آيةً].
الآية (1-16): يقول تعالى مُنكِرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ أي: عن أيِّ شيء يَتَسَاءلون من أَمْر القيامة؟! ﴿ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾: الخبر الهائل الـمُفْظِع الباهر. قال قتادة وابن زيد: النبأ العظيم: البَعْث بعد الموت. وقال مجاهد: هو القرآن. والأظهر الأول؛ لقوله: ﴿ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ يعني: الناس فيه على قولين: مؤمن به وكافر. ثم قال مُتَوَعِّدًا لمنكري القيامة: ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ وهذا تهديدٌ شديد ووعيد أكيد.
ثم شَرَعَ تعالى يُبَيّن قدرته العظيمة على خَلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة، الدَّالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾؟! أي: ممهدةً للخلائق ذَلُولًا لهم، قارّةً ساكنةً ثابتةً، ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي: جَعَلها لها أوتادًا أرساها بها وثَبَّتَها وقرَّرَها حتى سَكَنَت ولم تضطرب بمن عليها. ثم قال: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ يعني: ذكرًا وأنثى، يستمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك؛ كقوله: ﴿ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ﴾ [الروم: 21]. وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾ أي: قَطعًا للحركة لتحصل الراحة من كَثرة التِّرْداد والسعي في المعايش في عَرْض النهار.
﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ أي: يغشى الناس ظلامُه وسواده؛ كما قال: ﴿ ﱗ ﱘ ﱙ ﴾ [الشمس: 4]، وقال قتادة: سَكَنًا. وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ أي: جعلناه مُشْرِقًا مُنيرًا مُضيئًا، ليَتَمَكَّن الناس من التَّصَرُّف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتَّكَسُّب والتجارات، وغير ذلك. وقوله: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾ يعني: السموات السبع، في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات؛ ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴾ يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يَتَوَهَّج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ﴾ قال ابن عباس: الرياح. وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة: إنها الرياح. ومعنى هذا القول أنها تَسْتَدِرُّ المطر من السحاب. وعن ابن عباس: ﴿ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ﴾ أي: من السَّحاب. وكذا قال عكرمة أيضًا وأبو العالية والضحاك والحسن. واختاره ابن جرير. والأظهر أن المراد: السحاب كما قال تعالى: ﴿ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ﴾ [الروم: 48]. ﴿ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس: مُنْصَبًّا. وقال الثوري: مُتَتَابعًا. وقال ابن جرير: الثَّجُّ: الصَّبُّ الـمُتَتَابع. والله أعلم.
﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ أي: لنخرجَ بهذا الماء الكثير الطيِّب النافع الـمُبَارَك ﴿ حَبًّا ﴾ يُدَّخَر للأناسي والأنعام، ﴿ وَنَبَاتًا ﴾ أي: خَضِرًا يُؤْكَلُ رَطْبًا، ﴿ وَجَنَّاتٍ ﴾ أي: بساتين وحدائقَ من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ قال ابن عباس، وغيره: ﴿ أَلْفَافًا ﴾: مجتمعة؛ كقوله تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ الآية [الرعد:4].
الآية (17-30): يخبر تعالى عن يوم الفصل، وهو يوم القيامة؛ أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز وجل؛ كما قال: ﴿ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ﴾ [هود:104]. ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ قال مجاهد: زُمَرًا زُمَرًا. قال ابن جرير: يعني تأتي كل أُمَّة مع رسولها؛ كقوله: ﴿ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ﴾ [الإسراء:71]. ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ أي: طُرُقًا ومسالك لنزول الملائكة. ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ ﴾؛ كقوله: ﴿ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [النمل:88]. وقوله: ﴿ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ أي: يُخَيَّل إلى الناظر أنها شيء، وليست بشيء، بعد هذا تَذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر؛ كما قال: ﴿ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﴾ [الكهف:47].
﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾ أي: مُرْصَدَةً مُعَدَّةً، ﴿ لِلطَّاغِينَ ﴾ وهم: الـمَرَدة العُصَاة المخالفون للرسل، ﴿ مَآبًا ﴾ أي: مَرجِعًا ومُنقَلَبًا ومصيرًا ونُزُلًا. وقوله: ﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جَمع «حُقْب»، وهو: المدة من الزمان. وقد اختلفوا في مقداره. [فقيل: ثمانون] سنةً، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا، كل يوم ألف سنة. وهكذا رُويَ عن أبي هُرَيرة وعبد الله بن عَمرو وابن عباس. وقال خالد بن مَعْدان: هذه الآية وقوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ [هود:107] في أهل التوحيد. [رواه] ابن جرير، ثم قال: يُحتَمَل أن يكون قوله: ﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ مُتَعَلِّقًا بقوله: ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴾، ثم يُحْدِثُ الله لهم بعد ذلك عذابًا من شَكْل آخر ونوع آخر. ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس؛ عن قتادة: هو ما لا انقطاع له وكلما مضى حقب جاء حقب بعده، وقال الربيع بن أنس: لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله عز وجل.
﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴾ أي: لا يجدون في جَهنَّم بردًا لقلوبهم، ولا شرابًا طيِّبًا يَتَغَذَّون به. ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ قال أبو العالية: استثنى من البَرْد الحميم، ومن الشراب الغَسَّاق. وكذا قال الربيع بن أنس. فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حَرُّهُ وحُمُوُّهُ. والغَسَّاق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعَرَقهم ودُمُوعهم وجروحهم، فهو باردٌ لا يُستَطاع مِنْ بَرْدِه، ولا يُوَاجَه من نَتَنِهِ. أَجَارَنا الله من ذلك، بمَنِّه وكَرَمه. قال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا ﴾ يعني: النوم.
﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وَفْقَ أعمالهم الفاسِدة التي كانوا يعملونها في الدنيا. قاله مجاهد وقتادة وغير واحد. ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾ أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثَمَّ دارًا يُجَازَون فيها ويُحَاسَبون، ﴿ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ﴾ أي: وكانوا يكذِّبون بحُجَج الله ودلائله على خلقه التي أَنْزَلَـها على رسله، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة. وقوله: ﴿ كِذَّابًا ﴾ أي: تكذيبًا.
﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴾ أي: وقد عَلِمنا أعمالَ العباد كلِّهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ﴿ فَذُوقُوا ﴾ يُقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه، ﴿ فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ من جنسهِ، ﴿ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ [ص:58].
وعن ابن عَمرو قال: لم يَنْزل على أهل النار آية أشَدُّ من هذه: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ قال: فهم في مزيد من العذاب أبدًا.
الآية (31-36): يقول تعالى مخبرًا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴾ قال ابن عباس والضحاك: مُتَنَزَّهًا. وقال مجاهد وقتادة: فازوا، فنجوا من النار. والأظهر قول ابن عباس؛ لأنه قال بعده: ﴿ حَدَائِقَ ﴾ وهي البساتين من النخيل وغيرها. ﴿ وَكَوَاعِبَ ﴾ أي: وحورًا كواعب. قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: نَوَاهِد، يعنون أن ثُدِيَّهن نَوَاهِد لم يَتَدَلَّين؛ لأنهن أبكار عُرُب، ﴿ أَتْرَابًا ﴾ أي: في سن واحدة. وقوله: ﴿ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾ قال ابن عباس: مملوءة متتابعة. وقال عكرمة: صافية. وقوله: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴾ كقوله: ﴿ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﴾ [الطور: 23] أي: ليس فيها كلام لاغٍ عَارٍ عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل كلام فيها سالم من النقص. ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ ﴾ هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه بفضله ومَنِّه وإحسانه ورحمته؛ ﴿ عَطَاءً حِسَابًا ﴾ أي: كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا.
الآية (37-40): يُخْبِر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه ربُّ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شَمِلَتْ رحمته كل شيء. ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴾ أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه؛ كقوله: ﴿ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ﴾ [هود:105].
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا، ما هو؟ على أقوال: أحدها: عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم. والثاني: هم بنو آدم. الثالث: أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا بشر؛ قاله بن عباس ومجاهد. الرابع: هو جبريل؛ قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك، ويستشهد لهذا القول بقوله :عز وجل ﴿ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﴾ [الشعراء:193]، وتَوَقَّفَ ابنُ جرير فلم يقطَع بواحد من هذه الأقوال كلها، والأشبه والله أعلم أنهم بنو آدم.
﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ ﴾ كقوله: ﴿ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [هود:105]. وكما ثبت في الصحيح: «ولا يَتَكَلَّمُ يومئذ إلا الرسل» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ أي: حَقًّا، ومن الحق: «لا إله إلا الله»؛ كما قاله أبو صالح وعكرمة. وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ﴾ أي: الكائن لا محالة، ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه، ومنهجًا يَمُرُّ به عليه. وقوله: ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ﴾ يعني: يوم القيامة؛ لِتَأَكُّدِ وقوعه صار قريبًا؛ لأن كل ما هو آتٍ آتٍ.
﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ أي: يُعْرَض عليه جميعُ أعماله، خَيْرُها وشَرُّها، قديمها وحديثها. ﴿ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ أي: يودُّ الكافر يومئذٍ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خُلِقَ، ولا خَرَج إلى الوجود. وذلك حين عاين عذاب الله، ونَظَر إلى أعماله الفاسدة قد سُطِّرَت عليه. وقيل: حين يَحْكُم الله بين الحيوانات، فإذا فَرَغَ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا. فعند ذلك ﴿يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ أي: يا ليتني كنت حيوانًا فأرجع إلى التراب.