وهي مكية، [وعدد آياتها (11) آيةً].
الآية (1-5): ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ يقسم تعالى بالخيل إذا أُجْرِيَتْ في سبيله فَعَدَتْ وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يُسمَع من الفَرَس حين تَعدُو. ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ يعني: اصطكاك نعالها للصَّخْر فتَقْدَح منه النار. ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يُغِيرُ صباحًا، ويستمع الأذان، فإن سمع أذانًا وإلا أغار، ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ يعني: غُبارًا في مكان معترك الخيول، ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ أي: تَوسَّطْنَ ذلك المكان كُلُّهن جُمَع.
عن عليٍّ وابن مسعود: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾: الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عَلِيًّا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خَيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بُعِثَتْ. وقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم وعبيد بن عمير، وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والضحاك. واختاره ابن جرير.
وقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ يعني: بحوافرها. وقيل: نيران القبائل. قال ابن جرير: والصواب أنها الخيل حين تقدح بحوافرها. وقوله ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني إغارة الخيل ﴿ صُبْحًا ﴾ في سبيل الله. وقال من فَسَّرَها بالإبل: هو الدَّفْع صُبحًا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ هو: المكان الذي إذا حَلَّتْ فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.
﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ قال ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك: يعني جَمع الكفار من العدو. ويُحتَمَل أن يكون: فوَسَطْنَ بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون ﴿ جَمْعًا ﴾ منصوبًا على الحال المؤكِّدة.
الآية (6-10): ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾: هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه بنعم ربه لجحود كفور. قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي وسعيد بن جبير والحسن وقتادة: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يَعُدُّ المصائب، ويَنْسَى نِعَمَ ربه.
﴿ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويُحتَمَل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودًا لَشهيدٌ، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله.
﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ ﴾ وهو: المال ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾. وفيه مذهبان: أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال. والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.
ثم قال تعالى مُزَهِّدا في الدنيا، ومُرَغِّبًا في الآخرة، ومُنَبِّهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يَستَقْبِله الإنسان من الأهوال: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾ أي: أُخْرجَ ما فيها من الأموات. ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني أُبْرِزَ وأُظْهِرَ ما كانوا يُسِرُّون في نفوسهم.
الآية (11): ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ أي: العالِم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة.