حجم الخط:

الآيات (94-99)

الآية (94-96): ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ أي: لن نصدقكم ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ أي: سيُظهِر أعمالكم للناس في الدنيا، ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرها وشرِّها، ويجزيكم عليها.

﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ أَخبَر عنهم أنهم سيحلفون معتذرين ﴿ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فلا تُؤَنِّبوهم ﴿ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ احتقارًا لهم، ﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ أي: خُبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿ وَمَأْوَاهُمْ في آخرتهم ﴿ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أي: من الآثام والخطايا.

﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ أخبَر أنهم وإن رضوا عنهم بحَلْفِهم لهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ أي: الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله.

الآية (97-99): ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا أخبر تعالى أن في الأعراب كفَّارًا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشدّ، ﴿ وَأَجْدَرُ أي: أحرى ألَّا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله؛ كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدِّث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني! فقال زيد: ما يُريبك من يدي؟! إنها الشمال. فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمين يقطعون أو الشمالَ؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ . ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يَبعث الله منهم رسولًا، وإنما كانت البَعْثَة من أهل القرى، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ [يوسف:109]، وعن عائشة قالت: قَدِم ناس من الأعراب على رسول الله فقالوا: أتقبِّلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: ولكنا والله ما نقبِّل. فقال رسول الله : «وَأمْلكُ أن كان الله نَزَعَ منكم الرحمة؟» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي: عليم بمن يستحق أن يُعَلِّمَه الإيمان والعلم، ﴿ حَكِيمٌ فيما قَسَم بين عباده من العلم والجهل، والإيمان والكفر والنفاق، لا يُسأل عما يفعل، لعلمه وحكمته.

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ أخبر تعالى أن منهم ﴿ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ أي: في سبيل الله ﴿ مَغْرَمًا أي: غرامة وخسارة ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائرٌ عليهم، ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.

وقوله: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ : هذا هو القِسم الممدوح من الأعراب؛ وهم الذين يتَّخِذون ما ينفقون في سبيل الله قُربَةً يتقرَّبون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، ﴿ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ أي: ألا إن ذلك حاصل لهم، ﴿ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .