الآية (92): يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه. عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» [رواه البخاري ومسلم]. ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه. ﴿ إِلَّا خَطَأً ﴾ قالوا: هو استثناء منقطع.
[سبب النزول]: قال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه -وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة- وذلك أنه قتل رجلًا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عَيّاش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه، فظن أنه على دينه، فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية.
قوله: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما: الكفارة؛ لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة. وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي والنخعي والحسن أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدًا للإيمان. واختار ابن جرير أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا. والذي عليه الجمهور: أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله ﷺ: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة». ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ هو الواجب الثاني؛ فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضًا لهم عما فاتهم من قريبهم. وهذه الدية إنما تجب أخماسًا: عن ابن مسعود قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ: عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذاعًا، وعشرين حِقَّة. وقيل: تجب أرباعًا. وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله. قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة. ﴿ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلَّمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب.
﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أي: إذا كان القتيل مؤمنًا، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة لا غير. ﴿ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ الآية، أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنًا فَدِيَةٌ كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا، عند طائفة من العلماء. وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها، ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة. ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر - من مرض أو حيض أو نفاس- استأنف. ﴿ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي: هذه توبة القاتل خطأ؛ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين.
الآية (93): ثم لما بيّن تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله؛ حيث يقول سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ [الفرقان:68]. والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا. عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال المؤمن مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بَلَّح» [رواه أبو داود وصححه الألباني]. وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة للقاتل عمدًا المؤمنَ. وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأبو سلمة بن عبد الرحمن. والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلَفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحًا، بدَّل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته؛ قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان:70]، وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل. وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر:53]. وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء:48]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان. فأما الآية الكريمة -وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾- فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب.
الآية (94): [سبب النزول]: عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ يرعى غنمًا له، فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ [رواه أحمد والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام وأظهر لكم الإيمان، فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عَرَض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا. ﴿ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه. ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ تأكيد لما تقدم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.