حجم الخط:

الآيات (87-91)

الآية (87): قوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إخبار بتوحيده وتَفرُّده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمَّن قسمًا لقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ . وهذه اللام مُوطِّئة للقسم، فقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خبر وقَسَم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.

الآية (88): يقول تعالى منكرًا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين. واختلف في سبب ذلك، فروى زيد بن ثابت: أن رسول الله خرج إلى أُحُد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ، فقال رسول الله : «إنها طَيْبة، وإنها تنفي الخَبَث كما ينفي الكيرُ خبث الحديد» [متفق عليه].

وقد ذكر ابن إسحاق في وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش؛ رجع بثلاثمائة وبقي النبي في سبعمائة. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ ﴿ بِمَا كَسَبُوا أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل. ﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه.

الآية (89): ثم قال: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً أي: هم يودّون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: تركوا الهجرة، قاله ابن عباس. وقال السُّدي: أظهروا كفرهم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك.

الآية (90): ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أي: إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم.

[سبب النزول]: روى ابن أبي حاتم عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن: أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر -يعني النبي - على أهل بدر وأُحُد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي -بني مُدْلِج - فأتيته فقلت: أَنْشُدُك النعمة. فقالوا: صه. فقال النبي : «دعُوه، ما تريد؟». قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تَخْشُن قلوب قومك عليهم. فأخذ رسول الله بيد خالد ابن الوليد، فقال: «اذهب معه فافعل ما يريد». فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ . ورواه ابن مردويه. وقال: فأنزل الله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم. وهذا أنسب لسياق الكلام. وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم.

وقوله: ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصافّ، وهم حَصِرَةٌ صدورهم، أي: ضيّقةٌ صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي: المسالمة ﴿ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي: فليس لكم أن تقاتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي يومئذٍ عن قتل العباس وأَمَرَ بأَسْرِه.

الآية (91): وقوله: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك؛ فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]. وقال ههنا: ﴿ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا أي: انهمكوا فيها. وقال السُّدي: والفتنة ههنا: الشرك.

وعن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ أي: عن القتال ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: أين لقيتموهم ﴿ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا أي: بيِّنًا واضحًا.