حجم الخط:

الآيات (74-81)

الآية (74-78)[1]: أقامت الناقة وفصيلها -بعد ما وضعته بين أظهرهم- مدةً تشرب من بئرها يومًا، وتدَعُه لهم يومًا، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ [القمر:28]، وقال تعالى: ﴿ قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]. فلمَّا طال عليهم ذلك واشتدَّ تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام، عَزَمُوا على قتلها؛ ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها. وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا [الشمس:14]، وقال: ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء:59]، وقال: ﴿ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدلَّ على رضى جميعهم بذلك، والله أعلم.

عن جابر قال: لما مر رسول الله بالحِجْر قال: «لا تسألوا الآيات؛ فقد سألها قوم صالح فكانت -يعني الناقة- ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلاً واحدًا كان في حرم الله». فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» [رواه أحمد، وفي تحقيق شعيب الأرناؤوط: هو على شرط مسلم].

الآية (79): وقوله تعالى: ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمرُّدهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العَمى؛ قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك؛ كما ثبت: أن رسول الله لـمَّا ظَهَر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثًا، ثمَّ أَمَر براحلته فشُدَّت بعد ثلاث من آخر الليل، فرَكِبها، ثم سار حتى وَقَف على القَلِيب -قليب بدر- فجعل يقول: «يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وَعَدَني ربي حقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تُكَلّم من أقوام قد جَيّفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون» [متفق عليه]. وهكذا صالح عليه السلام قال لقومه: ﴿ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي: فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَٰكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ .

وقد ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب فيقيم في الحرم، حرم مكة، والله أعلم.

الآية (80-81): ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ يقول تعالى: ﴿ وَلُوطًا تقديره: واذكر لوطًا ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . ولوط هو ابن أخي إبراهيم الخليل -عليهما السلام- وكان قد آمن مع إبراهيم عليه السلام، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل «سَدُوم» وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله عز وجل، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم -وهو إتيان الذكور- وهذا شيء لم يكن بنو آدم تَعْهَدُهُ ولا تَأْلَفُهُ، ولا يَخطُر ببالِـهم، حتى صنع ذلك أهل «سَدُوم» عليهم لعائن الله. قال عمرو بن دينار: قوله: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ قال: ما نزَا ذَكَرٌ على ذَكَر، حتى كان قوم لوط. وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، باني جامع دمشق: لولا أنّ الله عز وجل قَصَّ علينا خبر لوط، ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا. ولهذا قال لهم لوط عليه السلام: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ أي: عدلتم عن النساء، وما خَلَق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل؛ لأنه وضع الشيء في غير محلِّه؛ ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: ﴿ قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:71]، فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، ﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79]، أي: لقد علمت أنه لا أرَبَ لنا في النساء، ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك.

وذكر المفسرون: أن الرجال كانوا قد اغتنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضًا.