حجم الخط:

الآيات (60-74)

الآية (60-61): ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أي: يُعطُون العطاء وهم خائفون ألَّا يُتَقبَّل منهم؛ لخوفهم أن يكونوا قد قَصَّروا في القيام بشروط الإعطاء. وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما رُوي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يُصَلُّون ويصومون ويَتَصَدَّقُون، وهم يخافون ألَّا يُقبل منهم، ﴿ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ » [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]. وقد قرأ آخرون هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يأتون مَا أَتواْ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون. والمعنى على القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور- أظهر؛ لأنه قال: ﴿ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين، والله أعلم.

الآية (62-67): يقول تعالى مخبرًا عن عَدله في شَرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يُكَلِّف نفسًا إلا وُسْعَهَا، أي: إلا ما تُطِيقُ حَمْلَه والقيام به، وأنه يوم القيامة يُحاسِبهم بأعمالهم التي كَتَبَها عليهم في كتاب مسطور لا يَضِيع منه شيء؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ يعني: كتاب الأعمال ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ أي: لا يُبخَسون من الخير شيئًا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.

ثم قال مُنكِرًا على الكفار والمشركين من قريش: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ أي: غفلة وضلالة ﴿ مِنْ هَٰذَا أي: القرآن الذي أنزله الله تعالى على رسوله . وقوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ قال ابن عباس: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك. ﴿ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ قال: لا بدَّ أن يعملوها؛ كذا رُوي عن مجاهد والحسن وغير واحد. وقال آخرون: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ أي: قد كُتب عليهم أعمال سيئة لا بدَّ أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لِتَحِقَّ عليهم كلمة العذاب. ورُوِي نَحو هذا عن مقاتل بن حيَّان والسُّدِّيّ وابن أسلم. وهو ظاهرٌ قويٌ حسَن.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء الْـمُنَعَّمُون في الدنيا- عذابُ الله وبأسه ونقمته بهم ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ أي: يصرخون ويستغيثون، ﴿ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ أي: لا يُجِيركم أحد ممَّا حلَّ بكم، سواءً جأرتُم أو سكتُّم، لا محيد ولا مناص ولا وَزَرَ، لَزِمَ الأمر ووَجَب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ أي: إذا دُعِيتُم أَبَيْتُم، وإن طُلِبتم امتنعتُم، ﴿ ذَٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]. وقوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ في تفسيره قولان، أحدهما: أن «مستكبرين» حالٌ منهم حين نُكُوصِهم عن الحق وإبائهم إيَّاه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في ﴿ بِهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرم، أي: بمكة؛ ذُمُّوا لأنهم كانوا يَسْمُرون بالـهُجْر من الكلام. والثاني: أنه ضمير للقرآن، كانوا يَسْمُرون ويَذْكُرون القرآن بالـهُجْر من الكلام: «إنه سِحْر، إنه شِعْر، إنه كهانة» إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. والثالث: أنه محمد ؛ كانوا يذكرونه في سَمَرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون. وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أَظهَرَه الله عليهم، وأَخرَجَهم من الـحَرَم صاغرين أذلَّاء. وقيل: المراد بقوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به.

الآية (68-74): يقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تَفَهُّمِهِم للقرآن العظيم، وتَدَبُّرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خُصُّوا بهذا الكتاب الذي لم يُنزل الله على رسول أَكمَلَ منه ولا أشرف، لا سيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية؛ حيث لم يَبلُغْهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يُقَابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيامِ بشكرها وتَفهُّمِها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فَعَله النجباء منهم ممَّن أسلم واتَّبع الرسول ورضي عنهم. وقال قتادة: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ إذًا والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تَدَبَّره القوم وعَقَلُوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه، فهلكوا عند ذلك.

ثم قال منكرًا على الكافرين من قريش: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي: أَفَهُمْ لا يعرفون محمدًا وصِدقَهُ وأمانته وصيانته التي نَشَأَ بها فيهم، أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه؟!

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ يَحكِي قول المشركين عن النبي أنه تقوَّلَ القرآن، أي: افتراه من عنده، أو أن به جنونًا لا يدري ما يقول. وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تُؤمِن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن؛ فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يُطاق ولا يُدافع، وقد تَحدَّاهم وجميعَ أهل الأرض أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين؛ ولهذا قال: ﴿ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي: في حال كراهة أكثرهم للحق، ويُحتمَل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو الله عز وجل ، والمراد: لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشَرَع الأمور على وَفْق ذلك ﴿ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي: لِفساد أهوائهم واختلافها، ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ يعني: القرآن، ﴿ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ .

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا : قال الحسن: أجرًا، ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ أي: أنت لا تسألهم أُجرةً ولا جُعْلًا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تَحتَسِب عند الله جزيلَ ثوابه؛ كما قال: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [سبأ:47].

وقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٣ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ أي: لعادلون جائرون منحرفون؛ تقول العرب: نَكَبَ فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها.