الآية (6): قوله: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: هذا الذي أخبرناك به - يا محمد - مِن أنَّا سننصر الروم على فارس، وعد من الله حق، وخبر صدق لا يُخلَف، ولا بد من كونه ووقوعه؛ لأن الله قد جرت سُنّته أن ينصـر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة.
قوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: بحكم الله في كونه وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل.
الآية (7): قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حُذّاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأنّ أحدهم مُغفَّل لا ذهن له ولا فكرة. قال الحسن البصري: والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي!
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ يعني: الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.
الآية (8): يقول تعالى منبهًا على التفكر في مخلوقاته، الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلمون أنها ما خُلقت سُدًى ولا باطلًا، بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾.
الآية (9-10): نبههم على صدق رسله فيما جاؤوا به عنه، بما أيّدهم به من المعجزات والدلائل الواضحات، من إهلاك مَن كَفر بهم، ونجاة من صدقهم، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين؛ ولهذا قال: ﴿ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم أيها المبعوث إليهم محمد ﷺ وأكثر أموالًا وأولادًا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومُكّنوا في الدنيا تمكينًا لم تبلغوا إليه، وعُمّروا فيها أعمارًا طوالًا، فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، ﱡأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﭐ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﱠ [غافر:21]، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال.
قوله: ﴿ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي: وإنما أُتُوا مِن أنفسهم؛ حيث كذّبوا بآيات الله، واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام:110]، وقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف:5]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ [المائدة:49]. وعلى هذا تكون ﴿ السُّوأَىٰ ﴾ منصوبة مفعولًا لـ﴿ أَسَاءُوا ﴾. وقيل: بل المعنى في ذلك: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ ﴾ أي: كانت السُّوأَى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.
الآية (11): يقول تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أي: كما هو قادر على بَداءته فهو قادر على إعادته، ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله.
الآية (12-13): قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: ييأس المجرمون. وقال مجاهد: يفتضح المجرمون. وفي رواية: يكتئب المجرمون.
قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ ﴾ أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم.
الآية (14-15): ثم قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ قال قتادة: هي -والله- الفرقة التي لا اجتماع بعدها. يعني: إذا رُفع هذا إلى عليين، وخُفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما.
ولهذا قال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ قال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء. والـحَبْرة أعم من هذا كله.