حجم الخط:

الآيات (6-15)

الآية (6-7): ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي: الخالق الـمُدَبِّرُ الفَعَّالُ لِـمَا يشاء، ﴿ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ أي: كما أحيا الأرض الميتة وأنبَتَ منها هذه الأنواع؛ ﴿ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت:39]، فـ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]. ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا أي: كائنة لا شك فيها ولا مِريَة، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي: يُعِيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رِمَمًا، ويُوجِدهم بعد العدم.

الآية (8-10): لَـمَّا ذكر تعالى حال الضُّلَّال الـجُهَّال الـمُقَلِّدِين في قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [الحج:3]، ذَكَر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبِدَع، فقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ، أي: بلا عَقْل صحيح، ولا نَقْل صحيح صريح، بل بمجرَّد الرأي والهوى.

وقوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ قال ابن عباس وغيره: مستكبرًا عن الحق إذا دُعِيَ إليه، وقال مجاهد وقتادة: لَاوِيَ عُنُقِه، وهي رَقَبَته، يعني: يُعْرِضُ عَمَّا يُدْعَى إليه من الحقِّ، ويَثْنِي رقَبَته استكبارًا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون:5]، وقال لقمان لابنه: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18] أي: تُمِيِّلْهُ عنهم استكبارًا عليهم. وقوله: ﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يَقْصِد ذلك، ويُحتَمَل أن تكون لام التعليل. ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين، أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا إنما جَبَلْناه على هذا الـخُلُق الذي يجعله ممن يُضِلُّ عن سبيل الله.

ثم قال تعالى: ﴿ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وهو الإهانة والذلُّ، كما أنه لَـمَّا استكبر عن آيات الله لَقَّاه الله الـمَذَلَّةَ في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر هَمّه ومَبلَغ عِلمه، ﴿ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٩ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ أي: يُقَال له هذا تقريعًا وتوبيخًا، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .

الآية (11-13): قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ : على شَكٍّ، وقال غيرهم: على طَرَف. ومنه حَرْف الـجَبَل، أي: طَرَفه؛ أي: دَخَل في الدين على طَرَف، فإن وَجَدَ ما يُحِبُّه استقرَّ، وإلا انْشَمَرَ.

[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي فيُسْلِمون، فإذا رَجعوا إلى بلادهم، فإن وَجدوا عام غَيث وعام خِصْب وعام وَلَادٍ حَسَن، قالوا: «إن ديننا هذا لصالح، فتمَسَّكُوا به»، وإن وجدوا عام جُدوبة وعام وَلَاد سَوء وعام قَحْط، قالوا: «ما في ديننا هذا خير» فأنزل الله على نبيِّه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الآية. وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جُريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية [رواه البخاري بنحوه].

وقال عبد الرحمن بن زيد: هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فَسَدَت عليه دنياه وتَغَيَّرت، انقلبَ فلا يُقِيم على العبادة إلا لِـمَا صَلُحَ من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شِدَّة أو اختبار أو ضِيق، تَرَك دينه ورَجَع إلى الكفر. وقال مجاهد في قوله: ﴿ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ أي: ارتد كافرًا. وقوله: ﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ أي: فلا هو حَصَل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كَفَر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ أي: هذه هي الخسارة العظيمة، والصفقة الخاسرة.

وقوله: ﴿ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ أي: من الأصنام والأنداد؛ يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضرُّه، ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴿١٢ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ أي: ضَرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضَرَره مُحقَّق مُتَيَقَّن.

وقوله: ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ قال مجاهد: يعني الوَثَن، يعني: بئس هذا الذي دعا به من دون الله مولًى، يعني: وليًّا وناصرًا.

﴿ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ وهو المخالط والمعاشر. واختار ابن جرير أن المراد: لبئس ابن العم والصاحب من يَعبُد الله على حَرْف ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ [الحج:11]. وقول مجاهد: إن المراد به الوَثَن، أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.

الآية (14): لَـمَّا ذَكَر أهل الضلالة الأشقياء، عَطَف بذِكر الأبرار السعداء، من الذين آمنوا بقلوبهم، وصَدَّقوا إيمانَهم بأفعالهم، فعَمِلُوا الصالحات من جميع أنواع القُربات، وتركوا المنكرات، فأورَثَهم ذلك سُكنَى الدرجات العاليات، في روضات الجنات. ولَـمَّا ذَكَر أنه أضَلَّ أولئك وهدى هؤلاء، قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .

الآية (15): قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر اللهُ محمدًا في الدنيا والآخرة ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ أي: بحَبْل ﴿ إِلَى السَّمَاءِ أي: سماء بيته، ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ يقول: ثم لِيَخْتَنِقْ به. وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ أي: ليَتَوصَّل إلى بلوغ السماء؛ فإن النصر إنما يأتي محمدًا من السماء، ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ذلك عنه، إن قَدَر على ذلك.

وقول ابن عباس وأصحابه أَولى وأَظهَر في المعنى، وأَبلَغ في التَّهَكُّم؛ فإن المعنى: من ظَنَّ أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه، فليَذهَب فليَقتُل نفسه، إن كان ذلك غائظَهُ، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51]؛ ولهذا قال: ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ قال السُّدي: يعني: مِنْ شأن محمد ، وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يَشْفِي ذلك ما يَجِدُ في صدره من الغيظ.