الآية (57-59): ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: تود أن لو أُعيدت إلى الدار فتحسن العمل. قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. وقال -ولا ينبئك مثل خبير-: ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فأخبر الله تعالى: أن لو رُدُّوا لما قدروا على الهدى، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام:28]. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني؟! فتكون عليه حسرة». قال: «وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني!» قال: «فيكون له الشكر» [رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني]. ولما تمنى أهل الجرائم العَوْدَ إلى الدنيا، وتحسروا على [عدم] تصديق آيات الله واتباع رسله؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.
الآية (60): يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسودّ فيه وجوه، وتبيضّ فيه وجوه؛ تسودّ وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيضّ وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى ههنا: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ﴾ أي: في دعواهم له شريكًا وولدًا ﴿ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم. قوله: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ أي: أليست جهنم كافية لهم سجنًا وموئلًا، لهم فيها الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبّرهم وإبائهم عن الانقياد للحق. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «إن المتكبرين يُحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا من النار في واد يقال له بولس، من نار الأنيار، ويُسقون عصارة أهل النار، ومن طينة الخَبَال» [رواه أحمد والنسائي والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (61): قوله: ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أي: مما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ﴿ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع، مُزَحزحُون عن كل شر، مُؤمّلون كل خير.
الآية (62-63): يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكلٌّ تحت تدبيره وقهره وكلاءته. وقوله: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي: المفاتيح. وقال السُّدي: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: خزائن السموات والأرض. والمعنى على كلا القولين: أن أَزِمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ ولهذا قال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: حُججه وبراهينه ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.
الآية (64-65): قوله: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴾ [سبب النزول]: ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: إن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. وهذه كقوله: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام:88].
الآية (66): قوله: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ أي: أخلِص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدَّقك.
الآية (67): ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ يقول تعالى: وما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته. قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السُّدي: ما عظموه حق تعظيمه. وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه. وقال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره. وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبَلَغك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ إلى آخر الآية. [متفق عليه]. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض» [متفق عليه]. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: «يُمجّد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم». فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: لَيَخِرَّن به! [رواه مسلم].