حجم الخط:

الآيات (53-63)

الآية (53): ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي؛ فإن النفس تتحدَّث وتتمنَّى؛ ولهذا راودته لأنها

أمارة بالسوء، ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي أي: إلا من عَصَمَه الله تعالى، ﴿ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ .

وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تَيميَّة رحمه الله. وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام من قوله: ﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في زوجته ﴿ بِالْغَيْبِ الآيتين أي: إنما رَدَدْتُ الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز ﴿ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في زوجته ﴿ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿٥٢ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وهذا القول هو الذي لم يحكِ ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جُبَيْر والحسن وقتادة وغيرهم. والقول الأول أقوى وأظهر؛ لأن سياق الكلام كلّه من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضَرَه الملك.

الآية (54-55): يقول تعالى إخبارًا عن الملك حين تحقَّق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عِرْضه ممَّا نُسِب إليه، قال: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي: أجعله من خاصّتي وأهل مشورتي، ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ أي: خاطبه الملك وعَرَفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خَلْق وخُلُق وكمال، قال له الملك: ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ أي: إنك عندنا ذو مكانة وأمانة، فقال يوسف عليه السلام: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ مَدَح نفسه، ويجوز للرجل ذلك -إذا جُهِل أمره- للحاجة، وذكر أنه ﴿ حَفِيظٌ أي: خازن أمين، ﴿ عَلِيمٌ ذو علم وبصر بما يتولَّاه. وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولِـمَا في ذلك من المصالح للناس، وإنما سأل أن يُجْعَل على خزائن الأرض -وهي الأهرام التي يجمع فيها الغَلَّات لِـمَا يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها- ليتصرَّف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبةً فيه، وَتَكْرِمَةً له.

الآية (56-57): يقول تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي: أرض مصـر، ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ قال السُّدي وابن أسلم: يتصرَّف فيها كيف يشاء. وقال ابن جرير: يتَّخذ منها منزلًا حيث يشاء، بعد الضيق والحبس والإسار. ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي: وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته، وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز؛ فلهذا أعقَبَه الله عز وجل السلامة والنصر والتأييد، ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ يخبر تعالى أن ما ادَّخَرَه الله لنبيِّه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجلُّ ممَّا خَوَّلَهُ من التصرف والنفوذ في الدنيا؛ كما قال تعالى في حقِّ سليمان عليه السلام: ﴿ هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:39-40].

والغرض: أن يوسف عليه السلام ولاَّه مَلِك مصر الوَزَارَةَ في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر، وأسلم الملك على يد يوسف عليه السلام؛ قاله مجاهد.

الآية (58-62): ذكر السُّدي وابن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدمَ إخوة يوسف بلاد مصـر أن يوسف عليه السلام لَـمَّا باشر الوزارة بمصر، ومَضَت السبع السنين الـمُخْصِبَة، ثم تَلَتْها سنينُ الـجَدْب، وعمَّ القَحط بلاد مصـر بكمالها، ووَصَل إلى بلاد كنعان، وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده، وحينئذٍ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلَّاتهم، وجَمَعَها أحسن جَمْع، فحَصَل من ذلك مبلغ عظيم، ووَرَد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات يمتارون لأنفسهم وعِيالهم، وكان رحمةً من الله على أهل مصـر.

والغرض: أنه كان في جملة من وَرَد للمِيْرَة إخوةُ يوسف، عن أَمْر أبيهم لهم في ذلك؛ فإنه بَلَغَهم أن عزيز مصـر يُعطِي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عليه السلام عنده بنيامين شقيق يوسف عليه السلام، وكان أحبَّ ولدِه إليه بعد يوسف. فلمَّا دخلوا على يوسف، وهو جالس في أُبَّهَتِه ورياسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم ﴿ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي: لا يعرفونه؛ لأنهم فارقوه وهو صغير حَدَث، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم. فذكر السُّدي وغيره: أنه شَرَع يُخاطبهم، قالوا: أبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذَهَب أصغرنا، هلك في البَرِيَّة، وكان أحبَّنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلَّى به عنه. فأَمَر بإنزالهم وإكرامهم.

﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ أي: وَفَّاهم كَيْلَهم، وحَمَل لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صِدقَكم فيما ذكرتم ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يُرَغِّبُهم في الرجوع إليه، ثم رَهَّبَهم فقال: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية، فليس لكم عندي مِيرة، ﴿ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ أي: سنحرص على مجيئه إليك بكل مُـمْكن، ولا نُبْقِي مَجْهُودًا لتَعلَم صدقنا فيما قلناه.

﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ أي: غلمانه: ﴿ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ وهي التي قدموا بها ليمتاروا عِوَضًا عنها، ﴿ فِي رِحَالِهِمْ أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بها. قيل: خشـي يوسف عليه السلام ألَّا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للمِيرة بها. وقيل: أراد أن يردَّهم إذا وجدوها في متاعهم تحرُّجًا وتورُّعًا؛ لأنه يعلم ذلك منهم والله أعلم.

الآية (63): ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ يعنون بعد هذه المرَّة، إن لم تُرسِل معنا أخانا بنيامين، فأرسله معنا ﴿ نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ أي: لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك. وهذا كما قالوا له في يوسف: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:12]؛ ولهذا قال لهم: ﴿ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ .