الآية (49-50): يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ ﴿ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ أي: خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صُحبةَ موسى عليه السلام، وقد كانوا ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ أي: يورِدونكم ويذيقونكم ويولونكم ﴿ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾ وذلك أن فرعون أمر بقتل كل ذَكر يُولد من بني إسرائيل، وأن تُتْرَك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاقّ الأعمال وأراذلها.
و«فرعون» عَلَمٌ على كل مَنْ مَلَكَ مصر كافرًا، من العماليق وغيرهم، كما أن «قيصر» علَمٌ على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، و«كسرى» لكل من مَلكَ الفُرس، و«تُبَّع» لمن ملك اليمن كافرًا. ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ ﴾ قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون ﴿ بَلَاءٌ ﴾ لكم ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك. وأصل البلاء: الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ [الأنبياء:35]، وقال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ﴾ [الأعراف:168]. ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى عليه السلام خَرَج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر ﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ ﴾ أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم. وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، عن ابن عباس قال: قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا اليوم الذي تصومون؟». قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى عليه السلام. فقال رسول الله ﷺ: «أنا أحق بموسى منكم» فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصومه [متفق عليه].
الآية (51-53): يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَـمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمَد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ [الأعراف:142]، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر.
﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ يعني: التوراة ﴿ وَالْفُرْقَانَ ﴾: وهو ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾.
الآية (54): هذه صفَةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصري: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ الآية [الأعراف:149]. قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾: أي إلى خالقكم. وفي قوله ههنا: ﴿ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾ تنبيه على عِظَم جُرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
الآية (55-56): يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق، إذْ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم. ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ﴾ أي: نار، ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ قال السدي: ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض: كيف يحيون! فذلك قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. قال الربيع بن أنس: كان موتُهم عقوبة لهم، فبُعِثوا بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.
الآية (57): لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكّرهم -أيضًا- بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ وهو جمع غمامة، سُمّي بذلك لأنه يَغُمّ السماء، أي: يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض، ظُلِّلوا به في التِّيه ليقيهم حرَّ الشمس. ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ﴾ قال ابن عباس: كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا. وقال الربيع بن أنس: المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، وعبارات المفسرين متقاربة في شرح الـمَنِّ، فمنهم من فسَّرَه بالطعام، ومنهم من فسَّره بالشراب. والظاهر -والله أعلم- أنه كل ما امتنَّ الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كدٌّ، فالمنُّ المشهور إنْ أُكِلَ وحده كان طعامًا وحلاوةً، وإن مُزِجَ مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن رُكِّب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده؛ والدليل على ذلك ما رواه سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «الكَمْأة من المَنّ، وماؤها شفاء للعين». [رواه البخاري]. ﴿ وَالسَّلْوَىٰ ﴾ قال ابن عباس: السلوى طائر شبيه بالسُّمَّانى، كانوا يأكلون منه. ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾: أَمْر إباحةٍ وإرشاد وامتنان. ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾، أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: ﴿ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ [سبأ:15] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن ههنا تتبيّن فضيلة أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنُّتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، لم يسألوا خَرْقَ عادةٍ، ولا إيجادَ أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على الرسول ﷺ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم. ولما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى، فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ.