حجم الخط:

الآيات (45-52)

الآية (45): ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [1]

الآية (46-49): يقول الله تعالى لرسوله : ﴿ قُلْ لهؤلاء المكذبين المعاندين: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ أي: سَلَبَكم إياها كما أعطاكموها؛ فإنه ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الملك:23]. ويُحتمَل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي؛ ولهذا قال: ﴿ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ كما قال: ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ [يونس:31]، وقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]. ﴿ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي: هل أحد غير الله يقدر على ردِّ ذلك إليكم إذا سَلَبَه الله منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه؛ ولهذا قال: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ أي: نُبيِّنُها ونُوضِّحُها ونُفسِّرها، دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أي: ثم هم مع هذا البيان يُعرِضون عن الحق، ويَصُدُّون الناس عن اتباعه. قال ابن عباس: ﴿ يَصْدِفُونَ : يعدلون. وقال مجاهد، وقتادة: يُعرضون. وقال السُّدي: يَصُدُّون. ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أي: وأنتم لا تشعرون به حتى بَغَتَكم وَفَجَأَكم. ﴿ أَوْ جَهْرَةً أي: ظاهرًا عيانًا ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ أي: إنما كان يُحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]. ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: مبشِّرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النِّقَمَات والعقوبات. ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ أي: فمن آمن قلبه بما جاءوا به وأَصلَح عمله باتباعه إياهم، ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: بالنسبة إلى ما يستقبلونه. ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وضيعتها؛ الله وليُّهم فيما خلفوه، وحافظُهم فيما تركوه. ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ أي: ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخَرَجُوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته.

الآية (50-52): يقول تعالى لرسوله : ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ أي: لست أملكها ولا المتصرِّف فيها، ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، إنَّما ذاك من عِلم الله عز وجل، لا أطلع منه إلا على ما أَطْلَعني عليه ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ أي: ولا أدَّعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر، يُوحَى إليَّ من الله عز وجل، شرَّفني بذلك وأنعم عليّ به؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه. ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أي: هل يستوي من اتَّبع الحق وهُديَ إليه، ومن ضلَّ عنه ولم يَنْقَدْ له؟ ﴿ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ وهذه كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19]. ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57] و﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21]. ﴿ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أي: يوم القيامة ﴿ لَيْسَ لَهُمْ أي: يومئذٍ ﴿ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فيعملون في هذه الدار عملًا يُنجِيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويُضَاعِف لهم به الجزيل من ثوابه. ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي: لا تُبْعِدْ هؤلاء المتَّصِفِين بهذه الصفة عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخِصَّاءك؛ كما قال: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]. ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي: يعبدونه ويسألونه، ﴿ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات. وهذا كقوله: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] أي: أتقبَّل منكم. ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم؛ فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات. ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ كما قال نوح عليه السلام في جواب الذين قالوا: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴿١١١ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١١٢ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء:111-113]، أي: إنما حسابهم على الله عز وجل وليس عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه.

[سبب النزول]: عن ابن مسعود قال: مرَّ الملأ من قريش برسول الله ، وعنده: صهيب، وبلال، وعمار، وخبَّاب وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ ونحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتَّبعك! فنزلت هذه الآية: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إلى آخر الآية [رواه أحمد، وابن جرير، وصحَّح إسنادهما أحمد شاكر]. وعن سعد قال: نَزَلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ، منهم ابن مسعود، قال: كنا نَسْبِقُ إلى النبي ، وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: يُدْنِي هؤلاء دوننا! فنَزَلَت: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [رواه مسلم].