الآية (45-46): ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ أي: هو يعلم بهم ويحذّركم منهم ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ أي: كفى به وليًّا لمن لجأ إليه، ونصيرًا لمن استنصره. قوله: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ «من» هذه لبيان الجنس؛ كقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ [الحج:30]. ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ أي: يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل، قصدًا منهم وافتراءً. ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه. وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم: أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت. وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك. وهذا استهزاء منهم واستهتار. ﴿ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك، بقولهم: «راعنا»، وإنما يريدون الرُّعونة. ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يُظهرونه: ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ يعني: بسبّهم النبي ﷺ. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مُبعَدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، والمقصود: أنهم لا يؤمنون إيمانًا نافعًا.
الآية (47): يقول تعالى آمرًا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهدِّدًا لهم إن لم يفعلوا بقوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا ﴾. قال بعضهم: طمسها: هو ردها إلى الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم. ويحتمل أن يكون المراد: من قبل أن نطمس وجوهًا فلا يبقى لها سمع ولا بصر ولا أثر، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار. وقال ابن عباس: طمسها: أن تعمى، ﴿ فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا ﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرَى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه. وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يُهْرَعون ويمشون القهقرى على أدبارهم. وقال مجاهد: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ يقول: عن صراط الحق ﴿ فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا ﴾ أي: في الضلالة. ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مُسخوا قردة وخنازير.
﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ إذا أمر بأمر، فإنه لا يُخالَف ولا يُمانَع.
الآية (48): أخبر تعالى: أنه ﴿ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ أي: لا يغفر لعبدٍ لقيَهُ وهو مشرك به. ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ ﴾ أي: من الذنوب ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: من عباده. عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله، فالشرك بالله، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ﴾ [المائدة:72]. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يومٍ ترَكه، أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا؛ القصاص لا محالة» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أن يغفرَهُ، إلا الرجلَ يموت كافرًا، أو الرجلَ يقتلُ مؤمنًا متعمدًا» [رواه أحمد والنسائي وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان:13]، وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك».
الآية (49-50): [سبب النزول]: قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية -وهي قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾- في اليهود والنصارى، حين قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [المائدة:18]. قال ابن عباس: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا؛ قال الله تعالى: «إني لا أُطَهِّر ذا ذنب بآخر لا ذنب له»، وأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [رواه ابن أبي حاتم وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية: عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدَّاحين التراب. [رواه مسلم]. ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: المرجع في ذلك إلى الله عز وجل؛ لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها.
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل. قال ابن عباس: هو ما يكون في شق النواة. ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ [البقرة:111]، واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئًا في قوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة:141]. ﴿ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﴾ أي: وكفى بصنيعهم هذا كذبًا وافتراءً ظاهرًا.
الآية (51): ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ عن عمر بن الخطاب قال: «الجبت»: السحر، و«الطاغوت»: الشيطان. وقيل: الجبت: الشيطان. وقال الجوهري في «الصحاح»: «الجبت» كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾ أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.