حجم الخط:

الآيات (41-49)

الآية (41-43): يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الذي بعثه ﴿ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أي: جهل بلا دليل، ﴿ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه. ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ قال السُّدي وابن جرير: معنى قوله: ﴿ لَا جَرَمَ : حقًا. وقال الضحاك: ﴿ لَا جَرَمَ لا كذب. وعن ابن عباس: ﴿ لَا جَرَمَ يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ . قال مجاهد: الوثن ليس بشيء. وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر. وقال السُّدي: لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿٥ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6]. قوله: ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ أي: في الدار الآخرة، فيجازي كلًّا بعمله؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ أي: خالدين فيها بإسرافهم، وهو شركهم بالله.

الآية (44): ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم. ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ أي: هو بصير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ.

الآية (45-46): ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه الله مع موسى عليه السلام، وأما في الآخرة فبالجنة. ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ وهو: الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم؛ فإنّ أرواحهم تُعرض على النار صباحًا ومساءً إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار؛ ولهذا قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ أي: أشده ألمًا وأعظمه نكالًا. وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا . ولكن ههنا سؤال: وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، روى الإمام أحمد عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاكِ الله عذاب القبر. قالت: فدخل رسول الله عليَّ فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال: «لا، وعمّ ذلك؟» قالت: هذه اليهودية لا نصنع إليها شيئًا من المعروف إلا قالت: وقاكِ الله عذاب القبر. قال: «كذبَت يهود. وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة». ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملًا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: «القبر كقطع الليل المظلم. أيها الناس، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا وضحكتم قليلًا. أيها الناس، استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق» وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب: أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدوًّا وعشيًّا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصًّا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة. وقد يقال: إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب. عن عائشة أن رسول الله دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول: أشعرتِ أنكم تُفتنون في قبوركم؟! فارتاع رسول الله وقال: «إنما يُفتن يهود». قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله : «أشعرتِ أنه أُوحي إليَّ أنكم تُفتنون في القبور؟!». وقالت عائشة: سمعت رسول الله بعدُ يستعيذ من عذاب القبر. [رواه مسلم]. وقد يقال: إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه. وقال قتادة في قوله: ﴿ غُدُوًّا وَعَشِيًّا : صباحًا ومساء، ما بقيت الدنيا؛ يقال لهم: يا آل فرعون، هذه منازلكم، توبيخًا ونقمة وصَغَارًا لهم. وقال ابن زيد: هم فيها اليوم يُغدَى بهم ويُراح إلى أن تقوم الساعة. عن ابن عمر قال: قال رسول الله : «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل إلى يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين.

الآية (47-49): يخبر تعالى عن تحاجِّ أهل النار في النار وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم، ﴿ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ وهم الأتباع ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة والسادة والكبراء: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ أي: قسطًا تتحملونه عنا. ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا أي: لا نتحمل عنكم شيئًا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ أي: يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38]. ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ لما علموا أن الله سبحانه لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108] سألوا الخزنة - وهم كالبوابين لأهل النار- أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب.