حجم الخط:

الآيات (4-11)

الآية (4-6): يُخْبِر تعالى عن خلقه السمواتِ والأرضَ وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدَّم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة «الأعراف»[1].

﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حَبٍّ وقَطْرٍ، ﴿ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا من زرع ونَبات وثمار. ﴿ وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ أي: من الأمطار، والثلوج والبَرَد، والأقدار والأحكام مع الملائكة الكرام. ﴿ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا أي: من الملائكة والأعمال؛ كما جاء في الصحيح: «يُرْفَع إليه عَمَلُ الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم، من بَرٍّ أو بَحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القِفَار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بَصَره وسمعه، فيَسْمع كلامكم ويَرَى مكانكم، ويعلم سرَّكم ونجواكم، فلا إله غيره ولا رب سواه. وقد ثَبَتَ أن رسول الله قال لجبريل -لَـمَّا سأله عن الإحسان-: «أن تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [رواه مسلم]. ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: هو المالك للدنيا والآخرة؛ كما قال: ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ [الليل:13]. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي: إليه المرجع يوم القيامة، فيَحْكم في خَلقِه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة، بل إن يكن أحدهم عَمِل حسنةً واحدةً يضاعفها إلى عَشْر أمثالها.

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ أي: هو الـمُتَصَرِّف في الخلق، يُقَلِّب الليل والنهار ويُقَدِّرُهُما بحكمته كما يشاء، فتارةً يطول الليل ويقصر النهار، وتارةً بالعكس، وتارةً يتركهما معتدلين، وتارةً يكون الفصل شتاءً ثم ربيعًا ثم قَيظًا ثم خَريفًا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لِـمَا يريده بخلقه، ﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أي: يعلم السرائر وإن دَقَّتْ، وإن خَفِيَتْ.

الآية (7-11): ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا أَمَرَ تعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحَثَّ على الإنفاق ﴿ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أي: ممَّا هو معكم على سبيل العَارية؛ فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأَرشَد تعالى إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، فإن يفعلوا وإلا حاسبهم عليه، وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه.

﴿ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فيه إشارة إلى أنه سيكون مُخَلَّفًا عنك، فلَعَلَّ وَارِثَك أن يُطِيعَ الله فيه، فيكون أَسْعَد بما أَنعَم الله به عليك منك، أو يَعْصِي الله فيه فتكون قد سَعَيْت في معاونته على الإثم والعدوان.

عن مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله وهو يقول: «ألهاكم التكاثر؛ يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أَكَلْتَ فأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأَبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأَمْضَيْتَ؟! وما سوى ذلك فذَاهِبٌ وتاركه للناس» [رواه مسلم].

﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، ثم قال: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ ؟! أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان؟! والرسول بين أظهركم، يدعوكم إلى ذلك ويُبَيِّن لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به.

وقوله: ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ كما قال: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]. ويعني بذلك: بيعة الرسول . وزعم ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وهو مذهب مجاهد، فالله أعلم.

﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ أي: حُجَجًا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات، ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين والإيمان، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل وإزالة الشُبه. ولَـمَّا أمرهم أولًا بالإيمان والإنفاق، ثم حَثَّهم على الإيمان، وبيَّن أنه قد أزال عنهم موانعه، حَثَّهم أيضًا على الإنفاق، فقال: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: أنفقوا ولا تَخشَوا فقرًا وإقلالًا؛ فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض، وبيده مقاليدهما، وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] فمن تَوَكَّل على الله أنفق، ولم يَخْشَ من ذي العرش إقلالًا، وعَلِم أن الله سيُخْلِفُه عليه. وقوله: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله؛ وذلك أنّ قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يُؤْمِن حينئذٍ إلا الصِّدِّيقون، وأما بعد الفتح فإنه ظَهَر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودَخَل الناس في دين الله أفواجًا؛ ولهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ . والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح ههنا: صلح الحديبية. ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ يعني: المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء كما في الصحيح: «المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير» [رواه مسلم]، وإنما نَبَّهَ بهذا لئلا يُهدَر الجانب الآخر بمَدْح الأوَّل دون الآخر، فيَتَوَهَّم مُتَوَهِّم ذَمَّه؛ فلهذا عَطَفَ بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: فلِخِبْرَتِه فاوتَ بين ثواب من أَنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فَعَل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق. وفي الحديث: «سبق درهمٌ مائةَ ألف» [رواه النسائي، وحسنه الألباني]، ولا شكَّ عند أهل الإيمان أن الصِّدِّيق أبا بكر رضي الله عنه، له الحظ الأوفر من هذه الآية؛ فإنه سَيِّد من عَمِل بها من سائر أمم الأنبياء؛ فإنه أَنْفَقَ ماله كُلَّه ابتغاء وجه الله عز وجل ، ولم يكن لأحد عنده نعمة يَجْزِيه بها.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أَعَمُّ من ذلك؛ فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة، دَخَل في عموم هذه الآية. وقوله: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أي: جزاء جميل، ورزق باهر -وهو الجنة- يوم القيامة.