حجم الخط:

الآيات (38-43)

الآية (38): يقول تعالى مُخبرًا عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه، المكذبين بآياته: ﴿ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ أي: من أشكالكم وعلى صفاتكم ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: من الأمم السالفة الكافرة ﴿ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿ فِي أُمَمٍ ويحتمل أن يكون ﴿ فِي أُمَمٍ أي: مع أمم.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا كما قال الخليل عليه السلام: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [العنكبوت:25]، وقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴿١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:166، 167].

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا أي: اجتمعوا فيها كلهم ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ أي: أُخراهم دخولًا -وهم الأتباع- لأُولاهم -وهم المُتَّبَعُون- لأنهم أشد جُرمًا من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فتشكُوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: ﴿ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ أي: أضعِف عليهم العقوبة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿٦٧ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:67-68]. وقوله: ﴿ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلًا بحسبه؛ كما قال: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، وقال تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13]، وقال: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25].

الآية (39): ﴿ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ أي: قال المتبوعون للأتباع: ﴿ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ قال السدّي: فقد ضللتم كما ضللنا ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ وهذا الحال كما أخبر تعالى عنهم في حال محشرهم، في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿٣١ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴿٣٢ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:31-33].

الآية (40): قوله: ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ قيل: المراد: لا يُرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء. قاله مجاهد، وسعيد بن جبير. وقيل: المراد: لا تُفتح لأرواحهم أبواب السماء. رُوي عن ابن عباس، ويؤيده ما روى الإمام أحمد: عن البراء؛ أن رسول الله ذكر قَبْض روح الفاجر، وأنه يُصْعَد بها إلى السماء، قال: «فيصعدون بها، فلا تـَمُرّ على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يُدْعَى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون بابها له، فلا يُفتح له». ثم قرأ رسول الله : ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ . وقد قال ابن جُرَيج في قوله: ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ قال: لا تُفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم. وهذا جمع بين القولين. وقوله: ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ هكذا قرأه الجمهور، وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة. وفي رواية: زوج الناقة. وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خُرْق الإبرة. وقال مجاهد، وعكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: «يلج الجُمَّل في سمّ الخياط» بضم الجيم، وتشديد الميم، يعني: الحبل الغليظ في خرم الإبرة. وهذا اختيار سعيد بن جبير. وفي رواية أنه قرأ: «حتى يلج الجُمَلُ» يعني: قُلُوس السفن، وهي الحبال الغلاظ.

الآية (41): قوله: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ قال محمد بن كعب القُرَظِي: الفُرُش ﴿ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قال: اللُّحُف. وكذا قال الضحاك بن مُزاحِم، والسُّدِّي ﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ .

الآية (42): لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله، واستكبروا عنها. وينبّه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

الآية (43): قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي: من حسد وبغضاء، كما جاء عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله : «إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا، أذن لهم في دخول الجنة؛ فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدَلّ منه بمسكنه كان في الدنيا» [رواه البخاري]. وقال قتادة: قال علي: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ رواه ابن جرير. وروى عبد الرزاق عن علي: فينا والله أهلَ بدر نزلت: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرًا. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فيكون له حسرة» [رواه النسائي وحسنه الألباني]. ولهذا لما أُورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا: ﴿ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوَّأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت عن رسول الله : «واعلموا أن أحدَكم لن يُدْخِلَه عملُه الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَنِي الله برحمة منه وفضل» [متفق عليه].