حجم الخط:

الآيات (260-264)

الآية (260): ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام أسبابًا؛ منها: أنه لما قال لنمروذ: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258]، أحَبَّ أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مُشاهدةً فقال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ . وقوله: ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ اختلف المفسرون في هذه الأربعة: ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُهمّ لنَصَّ عليه القرآن. وقوله: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ أي: قطِّعهن. قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الأسود الدؤلي وغيرهم، ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي: عزيز لا يغلبه شيء ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا مُمانع؛ لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدَره.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن الـمُنْكَدِر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو ابن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال ابن عمرو: قول الله عز وجل: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا [الزمر:53]، الآية، فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ فرضي من إبراهيم قوله: ﴿ بَلَىٰ قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان.

الآية (261): هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تُضاعَف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال سعيد بن جبير: في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به: الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك. وقال ابن عباس: الجهاد والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وهذا المثل أبلغ في النفوس مِن ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة يُنمّيها الله عز وجل لأصحابها، كما يُنمّي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. روى أبو مسعود: أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله : «لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة» [رواه مسلم]. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «كل عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». [رواه مسلم]. وقوله ههنا: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أي: فضله واسع كثير، أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق، سبحانه وبحمده.

الآية (262): يمدح تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات مَنًّا على من أعطوه، فلا يَمُنُّون به على أحد، ولا يَمُنُّون به لا بقول ولا فعل.

وقوله: ﴿ وَلَا أَذًى ۙ أي: لا يفعلون مع مَن أحسَنُوا إليه مكروهًا يُحبِطون به ما سلف من الإحسان، ثم وعدَهم تعالى الجزاء الجزيل على ذلك فقال: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: ثوابهم على الله، لا على أحد سواه ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: على ما خلَّفوه من الأولاد وما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.

الآية (263-264): ثم قال تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي: من كلمةٍ طيبة ودعاء لمسلم ﴿ وَمَغْفِرَةٌ أي: غَفْرٌ عن ظلم قولي أو فعلي ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ أي: عن خلقه. ﴿ حَلِيمٌ أي: يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم. وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المنّ في الصدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والـمُسبل إزاره، والـمُنفق سلعته بالحلف الكاذب».

وعن أبي الدرداء، عن النبي قال: «لا يدخل الجنة عاقٌّ، ولا منَّان، ولا مُدمن خمر، ولا مُكذِّبٌ بقدَر» [رواه أحمد، وحسنه الألباني].

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومُدمن الخمر، والمنان بما أعطى» [رواه أحمد والنسائي، وصحح إسناده أحمد شاكر ]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ فأخبر أن الصدقة تَبطُل بما يتبعها من المنّ والأذى، فما يَفي ثوابُ الصدقة بخطيئة المنِّ والأذى.

ثم قال تعالى: ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة مَن راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجهَ الله، وإنما قصده مدحُ الناس له أو شُهرته بالصفات الجميلة، ليُشكَر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ .

ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه فقال: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ وهو جمع صَفْوانة. ومنهم من يقول: الصفوان يُستعمل مفردًا أيضًا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس، ﴿ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ وهو المطر الشديد ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله. أي: وكذلك أعمال الـمُرائين تذهب وتضمَحِلُّ عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب؛ ولهذا قال: ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ .