الآية (253): يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [الإسراء:55]، وقال ههنا: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ ﴾ يعني: موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، وكذلك آدم؛ كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر. ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السموات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل.
﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ أي: الحُجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به، من أنه عبد الله ورسوله إليهم. ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ يعني: أن الله أيَّده بجبريل عليه السلام. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾.
الآية (254): يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدَّخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ ﴾ أي: لا يُباع أحدٌ مِن نفسِه، ولا يُفادَى بمال لو بذَله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خُلّة أحد، يعني: صداقته، بل ولا نسابته، كما قال: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [المؤمنون:101] ﴿ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ ﴾ أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين. ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرًا.
عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
الآية (255): هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم. [فضل الآية] عن أُبيِّ بن كعب: أن النبي ﷺ سأله: «أي آية في كتاب الله أعظم»؟ قال: الله ورسوله أعلم. فردّدها مرارًا، ثم قال أُبىّ: آية الكرسي. قال: «ليهنك العلم أبا المنذر» [رواه مسلم].
وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة، فقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ ﴾ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، المقيم لغيره. فجميع الموجودات مُفتقرة إليه، وهو غنيٌّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ [الروم:25]. وقوله: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية. ومن تمام القيُّومية أنه لا يعتريه سِنَةٌ ولا نوم، فقوله: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ ﴾ أي: لا تغلبه سنة: وهي الوَسَن والنعاس؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا نَوْمٌ ۚ ﴾؛ لأنه أقوى من السِّنَة. وقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ ﴾: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه. وقوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ ﴾ كقوله:﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ [النجم:26]، وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة. وقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات: ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وقوله: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلَمَهُ الله عز وجل وأطلعه عليه. ويُحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلَعهم الله عليه، كقوله: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه:110]. وقوله: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ ﴾: عن ابن عباس: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره، والعرش أكبر منه، كما دلَّت على ذلك الآثار والأخبار.
وقوله: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ ﴾ أي: لا يُثقله ولا يُكْرثُهُ حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزُب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه، فقوله: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ كقوله: ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد:9]. وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح: إمرارها كما جاءت، من غير تكييف ولا تشبيه[1].
الآية (256): [سبب النزول] عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ أي: لا تُكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّنٌ واضح جليٌّ دلائلُه وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوَّر بصيرته دخل فيه على بيِّنة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يُفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا.
وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل. وهذا معنى الإكراه.
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحَّد الله فعبَدهُ وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ ﴾ أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبَّه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فهي في نفسها مُحكَمة مُبرَمة قوية، وربطها قوي شديد. قال مجاهد: ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ﴾ يعني: الإيمان. وقال السُّدّي: هو الإسلام. وقال سعيد بن جبير: يعني لا إله إلا الله. وعن أنس بن مالك: القرآن. وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تَنافِي بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ ﴾ أي: لا انقطاع لها دون دخول الجنة.