الآية (23-26): ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ قال الحسن: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ. وقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: من مَتَاع الدنيا ممَّا يحتاج إليه الملِك المتَمَكِّن، ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني: سَرير تَجلِس عليه، عظيم هائل مُزَخْرَف بالذَّهَب، وأنواع الجواهر واللآلئ. قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قَصْرٍ عظيم مَشِيد رفيع البناء مُحكَم، قد وُضِعَ بناؤه على أن تَدخُل الشمس كل يوم من طاقة، وتَغرُب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساءً؛ ولهذا قال: ﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ﴾ أي: عن طريق الحقِّ ﴿ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾. وقوله: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خَلَق من شيء من الكواكب وغيرها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت:37].
وقوله: ﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: يَعلَمُ كل خَبِيئَةٍ في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد. وقال سعيد بن المسيب: الـخَبْء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد: خَبْء السموات والأرض: ما جَعَل فيها من الأرزاق: المطر من السماء، والنبات من الأرض. وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جَعَل الله فيه من الخاصية ما ذَكَرَه ابن عباس وغيره من أنَّه يَرَى الماء يَجْرِي في تُخوم الأرض ودواخلها.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال. وهذا كقوله تعالى: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ [الرعد:10]. وقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولَـمَّا كان الهدهد داعيًا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له؛ نُهِيَ عن قَتْلِه، كما رُويَ عن أبي هريرة، قال: نَهَى النبي ﷺ عن قَتْل أربع من الدواب: النَّمْلَة والنَّحْلَة والهدهد والصُّرَد [رواه أبو داود، وصححه الألباني].
الآية (27-31): يقول تعالى مخبرًا عن قيل سليمان عليه السلام للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ ﴾ أي أَصَدَقْتَ في إخبارك هذا ﴿ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ في مقالتك، لتَتَخَلَّصَ من الوعيد الذي أَوْعَدْتُكَ؟! ﴿ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ وذلك أن سليمان عليه السلام كَتَب كتابًا إلى بلقيس وقومها، وأعطاه لذلك الهدهد فحَمَلَه، وجاء إلى بلادهم فجاء إلى قَصـر بلقيس، إلى الْـخَلْوَةِ التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها مِن كُوَّةٍ هنالك بين يديها، ثم تَوَلَّى ناحيةً أدبًا ورياسةً، فتَحَيَّرَتْ ممَّا رَأَت، وهالها ذلك، ثم عَمَدَتْ إلى الكتاب فأَخَذَتْه، ففَتَحَت خَتْمَه وقَرَأَتْه، فإذا فيه: ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾. فجَمَعَت عند ذلك أُمراءَها ووزراءَها وكُبراءَ دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ تعني بكَرَمِه: ما رَأَتْهُ من عجيب أَمْرِه، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تَوَلَّى عنها أَدَبًا. وهذا أَمْرٌ لا يَقْدِرُ عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأَتْهُ عليهم. فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قِبَلَ لهم به. وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة؛ فإنه حَصَّل المعنى بأَيْسـر عبارة وأَحسَنِها.
وقوله: ﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ﴾ قال قتادة: يقول: لا تَجَبَّرُوا عليَّ، ﴿ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: مُوَحِّدِين. وقال سفيان بن عيينة: طائعين.
الآية (32-35): لَـمَّا قَرَأَت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أَمْرِها، وما قد نَزَلَ بها؛ ولهذا قالت: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ﴾ أي: حتى تَحضُرُون وتُشِيرُون ﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ أي: مَنُّوا عليها بِعَدَدِهم وعُدَدِهم وقوَّتهم، ثم فَوَّضُوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: ﴿ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ أي: نحن ليس لنا عَاقَةٌ ولا بنا بأس، إن شِئتِ أن تَقْصِدِيه وتُحَاربيه فما لنا عَاقَة عنه. وبعد هذا فالأمر إليك، مُرِي فِينَا برأيك نمْتَثِلُه ونُطِيعه. قال الحسن: فلمَّا قالوا لها ما قالوا، كانت هي أَحْزَمَ رَأْيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قِبَل لها بجنوده وجيوشه، وما سُخِّرَ له من الجِنِّ والإنس والطير، وقد شَاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم: إني أخشى أن نُحَارِبَه ونَمْتَنِع عليه، فيَقْصُدَنا بجنوده، ويُهْلِكَنا بمَن معه، ويَخْلُص إليَّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت: ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ﴾ قال ابن عباس: أي إذا دَخَلوا بَلَدًا عَنوة أَفْسَدُوه، أي: خَرَّبُوه، ﴿ وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾ أي: وقَصَدوا مَن فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غايةَ الهوَان، إما بالقَتْل أو بالأَسْر. وقال ابن عباس: قالت بلقيس: ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾ قال الرب عز وجل: ﴿ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾.
ثُم عَدَلَت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ أي: سَأَبْعَث إليه بِهَدِيَّة تَلِيقُ به، وأَنْظُر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلَعَلَّهُ يَقبَل ذلك ويَكُفّ عَنَّا، أو يَضْرِب علينا خَرَاجًا نَحْمِلُه إليه في كُلِّ عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أَعقَلَها في إسلامها وفي شِركِها! عَلِمَتْ أنَّ الهديةَ تَقَعُ مَوقِعًا من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إنْ قَبِلَ الهدية فهو مَلِكٌ فقَاتِلُوه، وإن لم يَقْبَلْها فهو نبيٌّ فاتَّبِعُوه.