حجم الخط:

الآيات (23-30)

الآية (23): لما ذكر عز وجل عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق، و﴿ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ . قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده. وهو يرجع إلى الأول. عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [رواه البخاري]. قال مجاهد في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ : عهده ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يومًا فيه القتال فيصدق في اللقاء. قوله: ﴿ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أي: وما غيروا عهدهم، وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل المنافقين.

الآية (24): ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم؛ ولهذا قال: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه.

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان، والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان. ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا .

الآية (25): يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة، بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشدّ من الريح العقيم على عاد، ولكن قال: ﱡﭐ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] فسلط عليهم هواء فرَّق شملهم، وردّهم خائبين خاسرين بغيظهم وحَنَقِهم، لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالعداوة، وهمّهم بقتله واستئصال جيشه، ومن هَمّ بشيء وصدَّق هَمَّه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله. قوله: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ أي: لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يُجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده، ونصر عبده، وأعز جنده؛ ولهذا قال رسول الله : «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» [متفق علبه]. وفي قوله: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها، لم يغزهم المشركون، بل غزاهم المسلمون في بلادهم؛ عن سليمان بن صرد يقول: قال رسول الله يوم الأحزاب: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» [رواه البخاري]. قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا أي: بحوله وقوته ردّهم خائبين، لم ينالوا خيرًا، وأعز الله الإسلام وأهله وصدق وعده، ونصر رسوله وعبده.

الآية (26-27): لما أيد الله ونَصَر، وكبَت الأعداء وردّهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، ووضع الناس السلاح. إذ تبدى جبريل فقال: أوَضعتَ السلاح يا رسول الله؟! قال: «نعم». قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها. ثم قال: إن الله يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة. ثم نازلهم رسول الله وحاصرهم، فلما طال عليهم الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، فعند ذلك استدعاه رسول الله ، فلما أقبل جعل الأوس يقولون: يا سعد، إنهم مواليك، فأحسن فيهم. فقال: إني أحكم أن تُقتل مُقَاتلتهم، وتُسْبى ذريتهم [وتقسم] أموالهم. فقال له رسول الله : «لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» [في الصحيحين بنحوه]. ثم جيء بهم مكتفين فضرب أعناقهم، وسبى من لم يُنبت منهم مع النساء وأموالهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يعني: بني قريظة من اليهود ﴿ مِنْ صَيَاصِيهِمْ يعني: حصونهم. ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وهو الخوف؛ لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب رسول الله ، فأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليَعزّوا في الدنيا، فانعكس عليهم الحال، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ، فالذين قُتلوا هم المقاتلة، والأُسَراء هم الأصاغر والنساء. قوله: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ أي: جعلها لكم من قتلكم لهم، ﴿ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا قيل: خيبر. وقيل: مكة. وقيل: فارس والروم. وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا .

الآية (28-29): هذا أمر من الله لرسوله بأن يخَيّر نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهن عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهن وأرضاهن اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.

الآية (30): يقول تعالى واعظًا نساء النبي ، اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء، بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة، قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق. وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: ﴿ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ قال زيد بن أسلم: في الدنيا والآخرة ﴿ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا أي: سهلًا هينًا.