حجم الخط:

الآيات (216-219)

الآية (216): هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكُفُّوا شرّ الأعداء عن حَوْزة الإسلام. وقال الزهري: الجهادُ واجب على كلّ أحد، غزا أو قعد؛ فالقاعد عليه إذَا استُعين أن يُعينَ، وإذا استُغيثَ أن يُغيثَ، وإذا استُنْفِرَ أن يَنفِر، وإن لم يُحتَجْ إليه قعد.

ولهذا ثَبَت في الصحيح: «من مات ولم يغزُ، ولم يحدّث نفسه بغزو، مات ميتةً جاهلية» [رواه مسلم]. وقال : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفِروا» [رواه البخاري ومسلم].

وقوله: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ أي: شديد عليكم ومشقة. وهو كذلك، فإنه إما أن يُقْتَلَ أو يُجرحَ مع مشقة السفر ومجالدَة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ أي: لأنّ القتالَ يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. ﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ : وهذا عام في الأمور كلّها، قد يُحِبّ المرءُ شيئًا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القُعُود عن القتال، قد يَعْقُبُه استيلاء العدو على البلاد والحكم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أي: هو أعلمُ بعواقب الأمور منكم، وأخبَرُ بما فيه صلاحكم في دنياكم وأُخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.

الآية (217-218): عن جُنْدَب بن عبد الله، أن رسول الله بَعَثَ رَهْطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجَرّاح، فلما ذهب ينطلق، بَكَى صَبَابة إلى رسول الله ، فَجَلَس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تُكْرِهَنّ أحدًا على المسير معك من أصحابك. فلما قرأ الكتابَ استرجع، وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله. فخبَّرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيَّتُهم، فلَقُوا ابن الحَضْرَمي فقتلوه، ولم يَدْرُوا أن ذلك اليوم من رجب أو من جُمَادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ الآية [رواه ابن أبي حاتم، بإسناد صححه أحمد شاكر].

الآية (219): روى الإمام أحمد: عن عمر أنَّه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ فدُعِي عمر فقُرئَتْ عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في النساء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ [النساء:43]، فكان مُنادي رسول الله إذا أقام الصلاة نادَى: ألا يقربَنَّ الصلاة سكران. فدُعِي عمر فقُرئَت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة. فَدُعِي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ [المائدة:91] قال عمر: انتهينا، انتهينا.

وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه. قال علي بن المديني: هذا الإسناد صالح وصححه الترمذي. فقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إنه كل ما خامَر العقل. والميسر: هو القمار. وقوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيمَ الطعام، وإخراجَ الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذَّة الشدّة المطربة التي فيها. وكذا بيعها والانتفاع بثمنها. وما كان يُقَمِّشه بعضهم من الميسر فيُنفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرَّته ومفسدته الراجحة، لتَعلُّقها بالعقل والدين، ولهذا قال: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ ؛ ولهذا كانت هذه الآية مُمهِّدةً لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مُصرّحة بل مُعرّضة؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما قُرئت عليه: اللهم بَيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. حتى نزل التصريح بتحريمها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91]. وقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ قُرئ بالنصب وبالرفع، وكلاهما حسَنٌ مُتّجِهٌ قريب. قال ابن عباس: ﴿ الْعَفْوَ ۗ ما يَفضُل عن أهلك. وكذا رُوي عن ابن عمر ومجاهد وقتادة وغير واحد.

عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: «أنفِقْهُ على نفسك». قال: عندي آخر؟ قال: «أنفقه على أهلك». قال: عندي آخر؟ قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر؟ قال: «فأنت أبصَرُ». [رواه مسلم]. وعن جابر: أن رسول الله قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدَّقْ عليها، فإنْ فَضَل شيءٌ فَلِأَهْلِك، فإنْ فضَل شيء عن أهلك فَلذِي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» [رواه مسلم]. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : «خير الصدقة ما كان عن ظَهْر غِنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» [رواه مسلم]. وفي الحديث أيضًا: «ابنَ آدم، إنك أنْ تبذل الفضل خيرٌ لك، وأن تُمسِكَهُ شرٌ لك، ولا تُلام على كفاف» [رواه مسلم].

وقد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني والسدّي. وقيل: مُبيّنة بآية الزكاة. قاله مجاهد وغيره، وهو أوْجَه.

وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ أي: كما فصَّل لكم هذه الأحكام وبيَّنَها وأوضَحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده؛ ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١٩ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ .