الآية (21-25): يقول تعالى مُسلِّيًا لنبيِّه في تكذيب من كَذَّبه من قومه: ﴿ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ ﴾ وهو هود عليه السلام بَعَثَه الله إلى عادٍ الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف -جمع حِقْف وهو: الجبل من الرَّمْل- قاله ابن زيد. وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار. وقال علي بن أبي طالب: الأحقاف: وادٍ بحضرموت، يُدعى بُرْهوت، تُلْقَى فيه أرواح الكفار. وقال قتادة: ذُكِر لنا أن عادًا كانوا حَيًّا باليمن أهل رَمْلٍ مشرفين على البحر بأرض يُقال لها: الشِّحْر.
وقوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ يعني: وقد أرسلَ الله إلى من حَول بلادهم من القرى مرسَلين ومنذِرين؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ﴾ [البقرة:66]، وكقوله: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿١٣﴾ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [فصلت:13-14] أي: قال لهم هود ذلك[1]، فأجابه قومه قائلين: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ أي: لِتَصُدَّنا ﴿ عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادًا منهم وقوعه؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ [الشورى:18]. ﴿ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيَفْعَلُ ذلك بكم، وأما أنا فمِن شأني أني أُبْلِغُكم ما أُرْسِلْتُ به، ﴿ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ أي: لا تعقلون ولا تفهمون.
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ أي: لَـمَّا رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض مُمْطِر، ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا مُمْحِلِين محتاجين إلى المطر، قال الله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: هو العذاب الذي قُلْتُم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾.
﴿ تُدَمِّرُ ﴾ أي: تُخَرِّب ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ من بلادهم، ممَّا من شأنه الخراب ﴿ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ أي: بإذن الله لها في ذلك؛ كقوله: ﴿ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾ [الذاريات:42] أي: كالشيء البالي. ولهذا قال: ﴿ فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ﴾ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تَبْقَ لهم باقية، ﴿ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: هذا حُكمنا فيمن كَذَّب رسلنا، وخالف أمرنا.
عن الحارث البكري قال: أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال [ﷺ]: «هِيْه، وما وافد عاد؟» -وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه- قلتُ: إن عادًا قُحِطُوا فَبَعَثُوا وافدًا لهم يُقَال له: قَيل، فمَرَّ بمعاوية بن بَكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتُغَنِّيه جاريتان يُقَال لهما: «الجرادتان»، فلمَّا مَضَى الشهر خَرَج إلى جبال مَهْرة فقال: اللهم، إنك تعلم أني لم أَجِئْ إلى مريض فأُدَاوِيه، ولا إلى أسير فأُفَادِيه، اللهم اسقِ عادًا ما كنتَ تَسْقِيه. فمَرَّتْ به سحابات سُود، فنُودِيَ منها: «اختر»، فأومأَ إلى سحابةٍ منها سوداء، فنُودِيَ منها: «خُذْهَا رَمَادًا رِمْدِدًا، لا تُبْقِي من عاد أحدًا». قال: فما بَلَغَني أنه أُرْسِلَ عليهم من الريح إلا كَقَدْر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هَلَكوا -قال أبو وائل: وصَدَق- وكانت المرأة والرجل إذا بَعَثُوا وافِدًا لهم قالوا: «لا تكن كوافدِ عاد» [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني].
وعن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لَـهَوَاته، إنما كان يَتَبَسَّم. قالت: وكان إذا رأى غيمًا -أو ريحًا- عُرِفَ ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فَرِحُوا رجاءَ أن يكون فيه المطر، وأراكَ إذا رأيتَه عَرَفْتُ في وجهك الكراهية؟! فقال: «يا عائشة، ما يُؤَمِّنُنِي أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّبَ قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض مُمْطِرُنا» [متفق عليه].
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عَصَفَت الريح قال: «اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرْسِلَتْ به، وأعوذ بك من شَرِّها، وشَرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرْسِلَتْ به». قالت: وإذا تَخَيَّلَت السماء تَغَيَّر لونه، وخَرَج ودَخَل، وأَقْبَلَ وأَدْبَر، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، فعَرَفَتْ ذلك عائشة، فسألته، فقال: «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾» [رواه مسلم].
الآية (26-28): يقول تعالى: ولقد مَكَّنَّا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نُعْطِكُم مثله ولا قريبًا منه، ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي: وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذِّبون به ويستبعدون وقوعه، أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيُصِيبَكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَىٰ ﴾ يعني: أهل مكة، قد أَهْلَكَ الله الأمم المكذِّبة بالرسل ممَّا حولها؛ كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومَدْيَن وكانت في طريقهم ومَـمَرِّهِم إلى غَزَّة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانوا يمرون بها أيضًا.
﴿ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ ﴾ أي: بَيَّنَّاها ووَضَّحْناها؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾.
﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ﴾ أي: فَهَلَّا نَصَرُوهم عند احتياجهم إليهم، ﴿ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ﴾ أي: بل ذَهَبوا عنهم أَحْوجَ ما كانوا إليهم، ﴿ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ ﴾ أي: كَذِبُهم، ﴿ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهةً، وقد خابوا وخَسِروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.