حجم الخط:

الآيات (197-202)

الآية (197): مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد صحة الإحرام بالحج في جميع السنة، وذهب الشافعي إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهُره، وهو مروي عن ابن عباس وجابر. ﴿ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ قال ابن عمر: هي شوال، وذو القَعْدة، وعشر من ذي الحجة. وقوله: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفَرْض ههنا: الإيجاب والإلزام. وقال ابن عباس: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ : من أحرم بحَجّ أو عمرة. وقوله: ﴿ فَلَا رَفَثَ أي: مَن أحرم بالحَجِّ أو العمرة، فليَجتَنِب الرَّفَث، وهو الجماع كما قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ [البقرة: 187]، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه، من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء. وقوله: ﴿ وَلَا فُسُوقَ قال ابن عباس: هي المعاصي. وقال ابن عمر: الفسوق: ما أُصيبَ من معاصي الله به: صَيْدا أو غيره. [و] الفسوق ههنا هو جميع المعاصي؛ كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهُر الحرُم، وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهُر الحرُم آكَدُ؛ ولهذا قال: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36]، وقال في الحَرَم: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «من حَجَّ هذا البيت فلم يَرفُث ولم يَفسُق، خَرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ فيه قولان: أحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بيَّنه الله أتـَمَّ بيان ووضحه أكمل إيضاح. والقول الثاني: أن المراد بالجدال ههنا: المخاصمة. عن ابن مسعود قال: أنْ تماري صاحبك حتى تُغْضِبَه. وكذلك قال ابن عباس. وقال ابن عمر: الجدال في الحج: السباب والمنازعة. وعن عكرمة: الجدال: الغضب، أن تُغْضِبَ عليك مسلمًا. وقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ : لما نهاهم عن إتيان القبيح قولًا وفعْلًا، حَثَّهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفرَ الجزاء يوم القيامة. وقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُوا : عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يَحُجُّون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون! فأنزل الله: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ . [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ : لَـمَّا أَمَرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

لما ذكر اللباس الحِسّي نَبَّه مُرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خيرٌ من هذا وأنفع. ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ يقول: واتقوا عقابي ونكالي، وعذابي لمن خالفني، ولم يَأْتَـمِرْ بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.

الآية (198): [سبب النزول] عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ، ومجنَّة، وذو المجاز، أسواق الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجِروا في المواسم، فنزلت: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج [رواه البخاري]. ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ عرفة: موضع الموقف في الحج، وهي عمدة أفعال الحج. عن عبد الرحمن بن يَعْمر الدِّيلي قال: سمعت رسول الله يقول: «الحج عرفات -ثلاثًا- فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك» [رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الألباني]. ووقت الوقوف من الزوال يومَ عرفة إلى طُلُوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأنّ النبيّ وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: «لتأخُذوا عني مناسككم» [رواه مسلم]. وتُسمى عَرَفات: الْـمَشْعَر الحلال، والمشعر الأقصى، وإِلَال -على وزن هلال- ويقال للجبل في وسطها: جَبَلُ الرحمة. ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ ، قال ابن عمر: الْـمَشْعَر الحرام المزدلفة كلها.

والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سُمِّيت المزدلفة: الْـمَشْعَر الحرام؛ لأنها داخل الحرم. وقوله: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ : تنبيهٌ لهم على ما أنْعَم به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول ، والكلّ متقارب ومتلازم وصحيح.

الآية (199): ﴿ ثُمَّ كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يَدْفَع إلى المزدلفة؛ ليذكر الله عند الْـمَشْعَر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، عن عائشة قالت: كانت قريش ومَن دَان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمّون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض منها، فذلك قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [رواه البخاري]. ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت أنّ رسول الله كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثًا [رواه مسلم].

الآية (200-202): يأمرُ تعالى بذكره والإكثار منه بعد قَضَاء المناسك وفراغها. وقوله: ﴿ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ : كما يَلْهَج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم، فالهَجُوا بذكر الله بعد قضاء النُّسك. والمقصود منه: الحث على كثرة الذكر لله عز وجل.

ثم إنه تعالى أرشد إلى دُعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنّة الإجابة، وذَمَّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو مُعرض عن أُخراه، فقال: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ أي: مِنْ نَصِيب ولا حظٍّ. وتضمَّن هذا الذمّ التَّنْفِيرَ عن التشبُّه بمن هو كذلك، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ فجَمَعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر؛ فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلَّ مطلوب دنيوي. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك: دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب...، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام. وعن أنس بن مالك قال: كان النبي يقول: «اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» [رواه البخاري].