الآية (195): يقول تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ أي: فأجابهم ربهم. [سبب النزول]: روى سعيد بن منصور عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا نَسْمَع اللهَ ذَكَر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ ﴾ إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قَدمت علينا [رواه ابن جرير، وأشار إلى صحته أحمد شاكر]. ومعنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا - مما تقدم ذكره - فاستجاب لهم ربهم؛ عقَّب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]. وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سَواء ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران ﴿ وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجَأوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ﴾ أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ [الممتحنة:1]. وقوله: ﴿ وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ﴾ هذا أعلى المقامات: أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويُعفَّر وجهه بدمه وترابه، ولهذا قال تعالى: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْن رَأتْ، ولا أذُن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر. وقوله: ﴿ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أضافه إليه ونسبَهُ إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلًا كثيرًا. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحـًا.
الآية (196-198): يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مُتْرَفون فيه من النِّعْمَة والغِبْطَة والسرور، فعَمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مُرتَهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نَمُدّ لهم فيما هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان:24]. وهكذا؛ لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار، قال بعده: ﴿ لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا ﴾ أي: ضيافةً ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾.
الآية (199): يخبرُ تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد، مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، ﴿ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد ﷺ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى، وقد قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴿٥٣﴾ أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ الآية [القصص:52-54]، وقال تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران:113]. وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلًا، وأما النصارى فكثيرٌ منهم مهتدون وينقادون للحق؛ كما قال تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴿٨٣﴾ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴿٨٤﴾ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ﴾ الآيات [المائدة:82-85]، وهكذا قال ههنا: ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. [سبب النزول]: روى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس بن مالك قال: لما تُوفّي النجاشي قال رسولُ الله ﷺ: «استغفروا لأخيكم». فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لِعِلْجٍ مات بأرض الحبشة. فنزلت: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ الآية. وقوله: ﴿ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم بل يبذلون ذلك مجانًا؛ ولهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾.
قال مجاهد: ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ يعني: سريع الإحصاء.
الآية (200): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ قال الحسن البصري: أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يدَعُوه لسرّاء ولا لضرّاءَ ولا لشِدَّة ولا لرِخَاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يُصابروا الأعداء. وأما المرابطة: فهي المداومة في مكان العبادة والثبات. وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» [رواه مسلم]. وقيل: المراد بالمرابطة ههنا: مرابطة الغزو في نُحور العدو، وحفظ ثُغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حَوْزَة بلاد المسلمين. عن سَهْل بن سَعْد الساعدي: أن رسول الله ﷺ قال: «رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «اتَّق الله حَيْثُما كُنْتَ» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]. ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
آخر تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة.