الآية (19-33): ﴿ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ﴾ أي: لا تستكبروا عن اتباع آياته، والانقياد لـحُجَجِه والإيمان ببراهينه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر:60].
﴿ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ أي: بحُجَّة ظاهرة واضحة، وهي ما أَرسَلَه الله به من الآيات البينات والأدلة القاطعة.
﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾ قال ابن عباس: هو الرَّجْم باللسان وهو الشَّتْم. وقال قتادة: الرَّجْم بالحجارة. أي: أعوذ بالله الذي خَلَقَني وخَلَقَكم من أن تَصِلُوا إليَّ بسُوء من قول أو فعل.
﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ أي: فلا تَتَعَرَّضُوا لي، ودعوا الأمر بيني وبينكم مُسَالَـمَةً إلى أن يقضي الله بيننا. فلمَّا طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرًا وعِنادًا، دعا ربه عليهم دعوةً نَفَذَتْ فيهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٨٨ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا ﴾ [يونس: 88، 89].
وهكذا قال ههنا: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴾ فعند ذلك أَمَرَه الله تعالى أن يَخْرُجَ ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أَمْر فرعون ومشاورته واستئذانه؛ ولهذا قال: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴾ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ﴾ [طه:77].
وقوله ههنا: ﴿ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ وذلك أن موسى عليه السلام لَـمَّا جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يَضْربَه بعَصَاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلًا بينهم وبين فرعون، فلا يَصِل إليهم. فأَمَرَه الله أن يَتْرُكَه على حاله ساكنًا، وبَشَّرَه بأنهم ﴿ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ فيه، وأنه لا يَخَاف دَرَكًا ولا يَخشَى. قال ابن عباس: ﴿ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ﴾: كهيئته وامضِهْ. وقال مجاهد: ﴿ رَهْوًا ﴾: طريقًا يَبَسًا كهيئته، يقول: لا تأمره يَرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد.
ثم قال تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ ﴾ وهي البساتين ﴿ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ ﴾ والمراد بها الأنهار والآبار، ﴿ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾: المنابر. وقال عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٢٦﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾ قال: كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوَّله إلى آخره في الشقين جميعًا، ما بين أسوان إلى رشيد، مُتَّصِلَة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين كُله من أوَّل مِصر إلى آخر ما يَبْلغه الماء، وكانت جميع أرض مِصـْر تُرْوَى من ستة عشـر ذراعًا، لـما قَدَّرُوا ودَبَّرُوا من قناطرها وجسورها وخُلُجِها.
﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾ أي: عِيشَة كانوا يتَفَكَّهون فيها فيأكلون ما شاؤوا، ويلبسون ما أَحَبُّوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسُلِبُوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية، وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الشعراء:59]. وقال ههنا: ﴿ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ وهم بنو إسرائيل، كما تقدم.
وقوله: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ﴾ أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تَصْعَد في أبواب السماء فتَبْكِي على فَقْدِهم، ولا لهم في الأرض بِقَاعٌ عَبَدُوا اللهَ فيها فَقَدَتْهم؛ فلهذا اسْتَحَقُّوا ألَّا يُنْظَرُوا ولا يُؤَخَّرُوا لكُفْرهم وإجرَامهم، وعُتُوِّهم وعِنَادهم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ يَمْتَنُّ عليهم تعالى بذلك؛ حيث أَنْقَذَهم ممَّا كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره إيَّاهم في الأعمال الـمُهِينَة الشَّاقَّة.
﴿ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا ﴾ أي: مستكبرًا جبارًا عنيدًا.
﴿ مِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ أي: مُسْرف في أمره، سخيف الرأي على نفسه.
﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ قال مجاهد: على من هم بين ظَهْرَيْه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يُقَال: إن لكل زمان عَالَـمًا. وهذه كقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [الأعراف:144] أي: أهل زمانه.
وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ ﴾ أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات ﴿ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ﴾ أي: اختبار ظاهر جَلِيٌّ لمن اهتدى به.
الآية (34-37): يقول تعالى منكرًا على المشركين في إنكارهم البَعْث والمعاد، وأنه ما ثَمَّ إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بَعْث ولا نشور. ويحتجُّون بآبائهم الماضين الذين ذَهَبوا فلم يرجعوا، فإن كان البَعْث حَقًّا ﴿ فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنَّما هو يوم القيامة لا في هذه الدار، بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها يُعيد الله العالمين خَلْقًا جديدًا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودًا، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا.
ثم قال تعالى مُتَهَدِّدًا لهم، ومُتَوَعِّدًا ومنذرًا لهم بأسه الذي لا يُرَدُّ، كما حَلَّ بأشباههم ونُظَرائهم من المشركين والمنكرين للبَعْث، وكقوم تُبَّع -وهم سبأ- حيث أَهْلَكَهم الله وخَرَّب بلادهم، وشَرَّدَهم في البلاد، وفَرَّقَهم شَذَرَ مَذَرَ، وقد كانت حمير - وهم سبأ - كُلَّما مَلَكَ فيهم رجل سمَّوه تُبَّعًا، كما يُقال: كسرى لمن مَلَك الفُرْس، وقيصر لمن مَلَك الروم، وفرعون لمن مَلَكَ مِصْر كافرًا، والنجاشي لمن مَلَك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس.
قال قتادة: ذُكِر لنا أن كعبًا كان يقول في تُبَّع: نُعِت نَعْت الرجل الصالح، ذَمَّ الله تعالى قومه ولم يَذُمَّه، قال: وكانت عائشة تقول: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا؛ فإنه قد كان رجلًا صالحًا.
الآية (38-39): يقول تعالى مُخْبِرًا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعَبَث والباطل؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون:115-116].