الآية (174): ولهذا قال تعالى: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمَّهُمْ وَردَّ عنهم بأس من أراد كيدَهم، فرجعوا إلى بلدهم ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ مما أضمَر لهم عدوهم ﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾.
الآية (175): ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة. قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: فإذا سوَّل لكم وأوهمَكم فتوكّلوا عليَّ والجأوا إليَّ، فأنا كافيكُم وناصرُكم عليهم، كما قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر:36-38]، وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة:21]. وقال: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج:40]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴿٥١﴾ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [غافر:51-52].
الآية (176): يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾، وذلك من شدة حرصه على الناس كان يُحزنه مُبَادَرَةُ الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ﴾ أي: حكمتُه فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
الآية (177): ثم قال تعالى مُخبرًا عن ذلك إخبارًا مقررًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ﴾ أي: استبدلوا هذا بهذا ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ أي: ولكن يضرُّون أنفسهم ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
الآية (178): ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون:55-56]، وكقوله: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة:55].
الآية (179): ثم قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ ﴾ أي: لا بُد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليُّه، ويفتضح فيه عدوُّه. يُعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحُد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجَلَدُهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ، وهتكَ به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونُكُولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ. قال مجاهد: ميّز بينهم يوم أحُد. وقال قتادة: مَيَّزَ بينهم بالجهاد والهجرة.
ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيبَ الله في خلقه حتى يتميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.
ثم قال: ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾، كقوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن:26-27]. ثم قال: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ﴾ أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرعه لكم ﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.
الآية (180): ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾ أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مَضّرة عليه في دينه - وربما كان - في دنياه. ثم أخبر بمآلِ أمْرِ مالهِ يوم القيامة فقال: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه – يعني: بشدقَيْه - يقول: أنا مَالُكَ، أنا كَنزكَ» ثم تَلا هذه الآية: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾ إلى آخر الآية [رواه البخاري].
وعن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنزا مُثِّلَ لَهُ شُجُاعًا أَقْرَعَ [يَوْمَ الْقِيَامَةِ]، لَهُ زَبِيبَتَان، يَتْبَعُه ويَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَيْلَكَ! فيقُولُ: أنَا كَنزُكَ الَّذِي خَلَّفتَ بَعْدَكَ. فَلا يَزَالُ يَتْبَعُه حَتَّى يُلْقِمَه يَدَه فَيقْضِمَها، ثم يَتْبَعه سَائِر جَسَدِه» [رواه أبو يعلي، وجود إسناده وقواه ابن كثير، وصححه الألباني].
وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: فأنفِقوا مما جعلكم مُستخلَفين فيه؛ فإن الأمور كُلَّها مرجعها إلى الله عز وجل. فقدّموا لكم من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ أي: بِنيَّاتِكم وضمائركم.