حجم الخط:

الآيات (17-42)

الآية (17-33): هذا مَثَل ضَرَبه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثة محمد إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ أي: اختبرناهم، ﴿ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ أي: حلفوا فيما بينهم لَيجُذُّنَّ ثَمرها ليلًا؛ لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، ﴿ وَلَا يَسْتَثْنُونَ أي: فيما حلفوا به. ولهذا حَنَّثهم الله في أيمانهم فقال: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ أي: أصابتها آفة سماوية، ﴿ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قال ابن عباس: أي: كالليل الأسود. وقال الثوري والسدي: مثل الزرع إذا حُصِد، أي: هشيمًا يبسًا. ﴿ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجَذَاذ، أي: القطع ﴿ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ أي: تريدون الصرام. ﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يُسمِعون أحدًا كلامهم. ثم فسَّر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: ﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم! قال تعالى: ﴿ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: أي: جد. وقال عكرمة: غيظ. وقال الشعبي: على المساكين. ﴿ قَادِرِينَ أي: عليها فيما يزعمون ويَرومون. ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله عز وجل، قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهِمَّة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطؤوا الطريق؛ ولهذا قالوا: ﴿ إِنَّا لَضَالُّونَ أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتُهنا عنها. قاله ابن عباس. ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حَظّ لنا ولا نصيب. ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: أي: أعدلهم وخيرهم: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ! قال مجاهد والسدي: ﴿ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ أي: لولا تستثنون. قال السُّدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحًا. وقال ابن جريج: هو قول القائل: إن شاء الله. وقيل: معناه: أي: هلَّا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم.

﴿ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع؛ ولهذا قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ .

﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجَذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب، ﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ أي: اعتدينا وبَغَينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا، ﴿ عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ قيل: رغبوا في بذلها لهم في الدنيا. وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة.

ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن. وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله[1] منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدّخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل. فلما مات ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنَّا منعناهم لتوفر ذلك علينا. فلما عزموا على ذلك عُوقِبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية؛ رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء.

﴿ كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات، وبدَّل نعمة الله كفرًا، ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق.

الآية (34-41): لما ذكر تعالى حال أهل الجنة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله عز وجل، وخالفوا أمره، بيَّن أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تَبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها. ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟! أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟! كلا ورب الأرض والسماء؛ ولهذا قال: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ! أي: كيف تظنون ذلك؟! قال: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴿٣٧ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ يقول: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف، مُتضمن حكمًا مؤكدًا كما تدعونه؟! إن لكم فيه لما تخيرون! ﴿ ﰈﰉ أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة، ﴿ أي: إنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون، ﴿ ؟ أي: قل لهم: من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ ﴿ أي: من الأصنام والأنداد، ﴿ .

الآية (42): لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، بيَّن متى ذلك كائن وواقع، فقال: ﴿ يعني: يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام. وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي يقول: «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا». وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور. وعن ابن عباس قال: هو يوم كَرْب وشدة. وقال مجاهد: شدة الأمر. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: هو الأمر الشديد المُفظِع من الهول يوم القيامة.