حجم الخط:

الآيات (158-165)

الآية (158): يقول تعالى متوعدًا للكافرين به، والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته، والصادِّين عن سبيله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ؛ وذلك كائن يوم القيامة، ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ؛ وذلك قبل يوم القيامة كائنٌ من أمارات الساعة وأشراطها. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «ثلاث إذا خرَجْن ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا : طلوع الشمس من مغربها، والدَّجال، ودابّة الأرض» [رواه مسلم]. أي: إذا أَنْشَأَ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يُقبَل منه، فأما من كان مُؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مُصْلِحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخَلِّطًا فأحدث توبةً حينئذٍ لم تُقبل منه توبته، كما دلَّت عليه الأحاديث المتقدِّمة، وعليه يُحمل قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا أي: ولا يُقبَل منها كَسْبُ عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك. وقوله: ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سَوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقتٍ لا ينفعه ذلك. وإنما كان الحكم هذا عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب وقت القيامة، وظهور أشراطها؛ كما قال: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد:18].

الآية (159): قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدّي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له؛ فإن الله بَعَث رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهرَه على الدين كله، وشرْعُه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ﴿ وَكَانُوا شِيَعًا أي: فِرَقًا كأهل الملل والنِّحَل -وهي الأهواء والضلالات- فالله قد بَرَّأ رسوله ممَّا هُم فيه. فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من: عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخِّر، وما خالف ذلك فضَلالات وجهالات وآراء وأهواء، الرسل بُرآء منها، وقوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج: 17].

الآية (160): ثم بَيَّنَ كيفية فصله يوم القيامة في حكمه وعدله فقال: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وهذه الآية الكريمة مُفَصِّلَةٌ لِـمَا أُجمل في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل:89]، وقد وَرَدَت الأحاديث مطابقة لهذه الآية؛ عن ابن عباس أن رسول الله قال -فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى-: «إن ربكم عز وجل رحيم؛ مَن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبَت له حسنة، فإن عملها كُتِبَت له عشرًا إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة. ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كُتِبَت له حسنةً، فإن عملها كُتِبَت له واحدة أو يمحوها الله عز وجل، ولا يهلك على الله إلا هالك» [متفق عليه].

الآية (161-163): يقول تعالى آمرًا نبيّه سيد المرسلين أن يُخبِر بما أَنعَم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا أي: قائـمًا ثابتًا، ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وليس يلزم من كونه عليه السلام أُمِرَ باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه عليه السلام قام بها قيامًا عظيمًا، وَأُكْمِلَتْ له إكمالًا تَامًّا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال؛ ولهذا كان خاتمَ الأنبياء، وسيدَ ولد آدم على الإطلاق، وصاحبَ المقام المحمود الذي يَرْغَبُ إليه الخلق حتى إبراهيم الخليل عليه السلام.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يأمره تعالى أن يُخبر المشركين -الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه- أنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته، لله وَنُسُكَهُ على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] أي: أخلِصْ له صلاتك وذبيحتك؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى. وقوله: ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قال قتادة: أي من هذه الأمة. وهو كما قال؛ فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له.

الآية (164): ﴿ قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكّل عليه: ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا أي: أطلب ربًّا سواه، وهو رب كل شيء؛ يَرُبُّنِي ويحفظني ويَكْلَؤُني ويُدَبِّر أمري، أي: لا أتوكَّل إلا عليه، ولا أُنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر. فهذه الآية فيها الأمر بإخلاص التوكل، كما تضمَّنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له. وقوله: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد. وهذا من عدله تعالى.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي: اعملوا على مكانتكم، إنا عاملون على ما نحن عليه، فستُعرضون ونُعرض عليه، ويُنبّئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا.

الآية (165): يقول تعالى: ﴿ أي: جعلكم تُعَمِّرُون الأرض جِيلًا بعد جيل، وقَرْنًا بعد قرن، وخَلَفًا بعد سَلَف. قاله ابن زيد وغيره. وقوله: ﴿ أي: فاوَت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك. وقوله: ﴿ أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به؛ ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». وقوله: ﴿ ترهيب وترغيب؛ أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله ﴿ لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب. وكثيرًا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه.

آخر تفسير سورة الأنعام والحمد لله والمنة.