حجم الخط:

الآيات (158-165)

الآية (158): ثم أخبر بأن كل من مات أو قُتل فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل، فيجزيه بعمله، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًا فشَرّ، فقال: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ .

الآية (159): يقول تعالى مخاطبًا رسوله ، ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين، فيما ألان به قلبه على أمّته، المتبعين لأمره، التاركين لزَجْرِه، وأطاب لهم لفظه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي: أي شيء جعلك لهم ليّنًا لولا رحمة الله بك وبهم. قال قتادة: يقول: فبرحمةٍ من الله لِنْتَ لهم. وقال الحسن البصري: هذا خُلُقُ محمد بعثه الله به. وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ الفظ: الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: ﴿ غَلِيظَ الْقَلْبِ أي: لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألَان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم. ولهذا قال تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ولذلك كان رسول الله يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه.

وقوله: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ .

الآية (160): وقوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وهذا كما تقدم من قوله: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:126] ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .

الآية (161): ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ما ينبغي لنبيٍّ أن يخون. [سبب النزول]: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفةً يوم بدر فقالوا: لعلَّ رسول الله أخذها. فأنزل الله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي: يخون. وهذا تبرِئة له -صلوات الله وسلامه علي- عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقَسم الغنيمة وغير ذلك. ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. وقد وردت السنّة بالنهي عن ذلك في أحاديث متعددة منها: حديث عدِيّ بن عُميرَة الكندي قال: قال رسول الله : «يَأَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَمِلَ لَنَا مِنْكُمْ عملًا، فكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه مسلم وأبو داود واللفظ له].

الآية (162): ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه وأُجِير من وَبِيل عقابه، ومن استحق غضب الله وأُلزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير وهذه الآية لها نظائر كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ [الرعد: 19].

الآية (163): ثم قال: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ . قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني: أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدةَ والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ الآية [الأنعام:132]؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ أي: وسَيُوفيهم إياها؛ لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًا، بل يجازي كلًا بعمله.

الآية (164): وقوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]، أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ [الكهف:110]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:20]، فهذا أبلغ في الامتنان: أن يكون الرسول إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فَهْم الكلام عنه، ولهذا قال: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ يعني: القرآن ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتَزْكُوَ نفوسهم وتطهر من الدَّنَسِ والخَبَث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ يعني: القرآن والسنة ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ أي: من قبل هذا الرسول ﴿ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: لفِي غَيٍّ وجهل ظاهر جليّ بيِّن لكُل أحد.

الآية (165): يقول تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ وهي ما أُصيب منهم يوم أُحد مِن قتل السبعين منهم ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يعني: يوم بَدْر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا وأسَروا سبعين أسيرًا ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . روى ابن أبي حاتم عن عُمَر بن الخطاب قال: لما كان يومُ أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفِدَاء، فقُتل منهم سبعون وفَرَّ أصحاب رسول الله عنه، وكُسرت رَبَاعِيتُه وهُشِمَت البَيْضَة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بأخذِكم الفداء. وكذا قال الحسن البصري. وقال محمد بن إسحاق، وابن جريج، والربيع بن أنس، والسديُّ: أي: بسبب عصيانكم رَسُول الله حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرُّماة ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا مُعَقِّبَ لحُكمه.