الآية (154): يقول تعالى مُمْتَنًّا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئِمُو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في قصة بدر: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾ الآية [الأنفال:11]. وعن عبد الله بن مسعود قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان [رواه ابن أبي حاتم، وصححه أحمد شاكر].
وعن أبي طلحة قال: غَشِيَنا النعاسُ ونحن في مصافّنا يوم أحُد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. [رواه البخاري]، [وزاد البيهقي]: «وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ؛ أَجْبَنُ قَوْمٍ، وَأَرْعَنُهُ، وَأَخْذَلُهُ لِلْحَقِّ ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ أي: إنما هم كَذَبَةٌ أَهْلُ شَكٍّ وَرَيْبٍ فِي اللَّهِ عز وجل». هَكَذَا رَوَاهُ [البيهقي] ِبهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَكَأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ [الراوي] قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فإن الله عز وجل يقول: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله ويُنْجِز له مأموله، ولهذا قال: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ [الفتح:12] وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنَّها الفيصَلة وأن الإسلام قد باد وأهلُه! هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿ يَقُولُونَ ﴾ في تلك الحال: ﴿ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾، ثم فَسَّر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ أي: يُسِرُّون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.
عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنُه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول مُعَتِّب بن قُشَير، ما أسمعه إلا كالحلم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، فحفظتُها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ لقول مُعَتِّب [رواه ابن أبي حاتم بإسناد صححه أحمد شاكر].
قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ أي: هذا قدر مقدر من الله عز وجل، وحُكم حَتْم لا يُحاد عنه، ولا مَناص منه.
وقوله: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي: يختبركم بما جرى عليكم؛ ليميز الخبيثَ من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.
الآية (155): ثم قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جَزَاء السيئةَ السيئة بعدها. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ أي: عَمّا كان منهم من الفرار ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ أي: يغفر الذنب ويحلُم عن خلقه، ويتجاوز عنهم. عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟! فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عَيْنَين[1]، قال عاصم: يقول يوم أحد ... فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله: إني لم أفر يوم عَيْنَين، فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾... الأثر. [أخرجه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (156): ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مُشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي الحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ أي: عن إخوانهم ﴿ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: سافروا للتجارة ونحوها ﴿ أَوْ كَانُوا غُزًّى ﴾ أي: في الغزو ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا ﴾ أي: في البلد ﴿ مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ أي: ما ماتوا في السفر ولا قتلوا في الغزو. وقوله: ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتْلهم.
ثم قال تعالى ردًا عليهم: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدَره، ولا يُزَاد في عُمر أحد ولا يُنْقَص منه إلا بقضائه وقدره ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي: وعلمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء.
الآية (157): ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ تضمن هذا أن القتل في سبيل الله، والموت أيضًا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعَفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حُطامها الفاني.