حجم الخط:

الآيات (142-145)

الآية (142): قيل: المراد بالسفهاء ههنا: مشركو العرب، وقيل: أحبار يهود، وقيل: المنافقون، والآية عامة في هؤلاء كلهم.

[سبب النزول] عن البراء رضي الله عنه؛ أن النبي صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قِبَل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [متفق عليه].

وحاصِلُ الأمر: أنه قد كان رسول الله أُمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يُصَلِّي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبلٌ صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تَعَذَّر الجمعُ بينهما، فأمره الله بالتوجُّه إلى بيت المقدس، فاستمرَّ الأمرُ على ذلك بضعة عَشَرَ شهرًا، وكان يكثر الدعاءَ والابتهالَ أنْ يُوَجَّه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم، عليه السلام، فأُجيبَ إلى ذلك، وأُمر بالتوجُّه إلى البيت العتيق، فخطب رسولُ الله الناس، وأعلمهم بذلك. ولما وقع هذا حصل لبعض الناس- من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود - ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله، و﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة:177] أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجَّهَنا توجَّهْنَا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجَّهَنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصريفه وخُدَّامُه، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد - صلوات الله وسلامه عليه - وأمّتِه عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا قال: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

الآية (143): يقول تعالى: إنما حَوّلناكم إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خِيَار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط ههنا: الخيار والأجوَد. وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ يقول تعالى: إنما شرعنا لك -يا محمد- التوجُّه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة، ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ أي: مُرْتَدًّا عن دينه ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً أي: هذه الفعلة، وهو صرف التَّوجُّه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس ﴿ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسُول ، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مِرْيَة فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلَهُ أن يكلّف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمرٌ أحدَث لهم شكًّا، كما يحصلُ للذين آمنوا إيقان وتصديق.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك، لا يضيع ثوابها عند الله. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . في الصحيح: أن رسول الله رأى امرأة من السَّبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فلما وجدته ضمّته إليها وألقمته ثَديها. فقال رسول الله : «أترون هذه طارحةً ولدَها في النار وهي تقدر على ألا تطرحه؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها» [رواه البخاري ومسلم].

الآية (144): قال ابن عباس: كان أوَّل ما نُسخَ من القرآن القبلة، وذلك: أنّ رسول الله لما هاجرَ إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله بضْعَةَ عَشَرَ شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ إلى قوله: ﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ .

وقوله: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ : أمَرَ تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شَيء، سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قَالبهُ، وقَلْبُه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقوله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي: واليهودُ -الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس- يعلمون أن الله تعالى سَيُوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله وأمته، وما خصَّه الله تعالى به وشَرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حَسَدًا وكفرًا وعنادًا؛ ولهذا يهددهم تعالى بقوله: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ .

الآية (145): يخبر تعالى عن كُفر اليهود وعنادهم، ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم. وقوله: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ إخبار عن شدة متابعة الرسول لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم متمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضًا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس؛ لأنها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى. ثم حذَّر تعالى من مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم [تكون] الحجة عليه أقوَم من غيره؛ ولهذا قال مخاطبًا للرسول -والمراد الأمة-: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ .