حجم الخط:

الآيات (13-19)

الآية (13): بيَّن تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب لا يشبهه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزَّه، لا إله إلا هو ولا رب سواه.

الآية (14): قال تعالى: ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ أي: فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله، متضمن علمه وأمره ونهيه ﴿ وَأَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

الآية (15-16): قال ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يُعطَون بحسناتهم في الدنيا؛ وذلك أنهم لا يُظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا، صومًا أو صلاة أو تهجُّدًا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أُوفّيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحَبِطَ عمله الذي كان يعمله التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين. وهكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد. وقال قتادة: من كانت الدنيا همَّهُ وطِلْبَتَهُ ونيّتَهُ، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطَى بها جزاء. وأما المؤمن فيُجازَى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴿١٨ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴿١٩ كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿٢٠ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:18-21]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20].

الآية (17): يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الآية [الروم:30]. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه؛ كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعاء، هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ أي: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرَة المُكَمَّلَة المعظَّمة المُخْتَتَمَةِ بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، والسُّدِّي، وغير واحد في قوله تعالى: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ : إنه جبريل عليه السلام، وعن علي والحسن وقتادة: هو محمد . وكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كُلًّا من جبريل ومحمد -صلوات الله عليهما- بلَّغ رسالة الله تعالى؛ فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة. ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى؛ وهو التوراة ﴿ إِمَامًا وَرَحْمَةً أي: أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إمامًا لهم، وقدوة يقتدون بها، ورحمة منَّ الله بها، فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ .

ثم قال تعالى متوعدًا لمن كذّب بالقرآن أو بشيء منه: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض: مشركهم، وكافرهم، وأهل الكتاب، وغيرهم من سائر طوائف بني آدم، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم، ممن بلَغَهُ القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ قال رسول الله : «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» [رواه مسلم].

قوله: ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: القرآن حق من الله، لا مرية فيه ولا شك؛ كما قال تعالى: ﴿ الم ﴿١ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة:1-2]، وقال تعالى: ﴿ الم ﴿١ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2].

وقوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20].

الآية (18-19): يبين تعالى حال المفتَرين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من: الملائكة، والرسل، والأنبياء، وسائر البشر والجان؛ عن صفوان بن مُحْرِز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عَرَضَ له رجل قال: كيف سمعت رسول الله يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله : يقول: «إن الله عز وجل يُدني المؤمن، فيضع عليه كنَفَه، ويستره من الناس، ويقرِّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قَرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يُعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [متفق عليه].

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: يردُّون الناسَ عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل، ويجنبونهم الجنة، ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أي: ويريدون أن يكون طريقهم عوجًا غير معتدلة، ﴿ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها.