الآية (122-123): [سبب النزول] عن جابر قال: فينا نزلَت: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ قال: نحن الطائفتان: بنو حارثَة وبنو سَلِمَة، وما نُحِب أنَّها لم تَنزِلْ؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ ﴾. [متفق عليه]. ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: يوم بدر، وكان في يوم جُمعة وافق السابع عشر من رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، ودمغَ فيه الشِّرك وخرَّب محِله، مع قلّة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرَسَان وسبعُون بعِيرًا، والباقون مُشاة، ليس معهم من العُدَد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذٍ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبَيض، والعُدة الكاملة والخيول المسوّمة والحُلي الزائد، فأعزَّ الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبَيَّضَ وَجْه النبي وقبيله، وأخْزى الشيطان وجيله. ولهذا قال تعالى مُـمْتَنًّا على عباده المؤمنين وحِزبه المتقين: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ أي: قليلٌ عدَدُكم؛ ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:25-27]. وبَدْر: مَحلَّة بين مكة والمدينة، تُعرَف ببئرها.
وقوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: تقومون بطاعته.
الآية (124-129): اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بَدْر أو يوم أُحُد؟ على قولين: أحدهما: أن قوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ متعلق بقوله: ﱡﭐ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﱠ وروي هذا عن الحسن البصري، والربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾، وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال:9]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؛ لقوله: ﴿مُرْدَفين﴾[1] [الأنفال:9] بمعنى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم ألوف أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر. القول الثاني: أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران:121]؛ وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد، وعكرمة.
قوله تعالى: ﴿ بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾، يعني: تصبروا على مُصَابرة عَدُوّكم وتتقوني وتطيعوا أمري. ﴿ وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا ﴾ قال الحسن، وقتادة، والربيع، والسُّدِّي: أي من وجههم هذا. وقال مجاهد، وعكرمة: أي من غضبهم هذا. ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ أي: مُعَلَّمِينَ بالسِّيما؛ عن علي بن أبي طالب: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض. ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ ﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارةً لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿٤﴾ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴿٥﴾ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ [محمد:4-6]. ولهذا قال ههنا: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ أي: هو ذو العزة التي لا تُرام، والحكمة في قَدره والإحكام.
ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أي: يخزيهم ويردَّهم بغيظهم لَـمّا لم ينالوا منكم ما أرادوا؛ ولهذا قال: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا ﴾ أي: يرجعوا ﴿ خَائِبِينَ ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أمَّلُوا. ثم اعترض بجملةٍ دَلَّت على أنّ الحُكْم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ أي: بل الأمر كلّه إلي، كما قال: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [الرعد:40]، وقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة:272]. وقال ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص:56]. ثم ذكر تعالى بقية الأقسام فقال: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال: ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي: يستحقون ذلك. وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد - أو يدعو لأحد- قَنَتَ بعد الركوع، وكان يقول -في بعض صلاته في صلاة الفجر-: «اللهم العن فلانًا وفلانًا» لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ الآية [رواه البخاري]. وعن أنس، أن النبي ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحُد، وشُجَّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل». فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [رواه مسلم]. ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: هو المتصرف فلا مُعَقّب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسأَلون ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
الآية (130-132): يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافًا مضاعفة، كما كانوا يقولون في الجاهلية -إذا حَلّ أجل الدَّين-: إما أن تَقْضِي وإمّا أن تُرْبِي، فإنْ قضاهُ وإلا زاده في المدة وزاده الآخَر في القَدْر، وهكذا كلّ عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا.
وأمَر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى ثم تَوَعَّدَهُم بالنار وحذَّرهم منها، فقال: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿١٣١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾.