حجم الخط:

الآيات (118-122)

الآية (118-119): [سبب النزول]: عن كعب بن مالك قال: كان مِن خبري حين تَخَلَّفْتُ عن رسول الله في غزوة تبوك أني لم أكن قطُّ أقوَى ولا أيسَر منّي حين تَخَلَّفْتُ عنه في تلك الغزاة... وغزا رسول الله تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أَصْعَرُ. فتجهَّز إليها رسول الله والمؤمنون معه، وطفِقت أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئًا... فلمَّا بلغني أن رسول الله قد تَوجَّه قافلًا من تبوك حضرني بَثّي، فطفقت أتذكر الكَذِب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟... وعرفت أني لم أنجُ منه بشيء أبدًا. فأجمعتُ صِدْقَه، وصَبَّح رسول الله ... [و]جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له... فقَبِل منهم رسول الله علانيتهم ويستغفر لهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلَّمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب... فقال لي: «ما خلَّفك؟! ألم تَكُ قد اشتريت ظهرك»؟ فقلت: يا رسول الله! إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سَخَطه بعذر، لقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكنه والله لقد علمتُ لئن حَدّثتُك اليوم حديث كَذب ترضى به عني، ليوشكنَّ الله يُسْخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تَجِدُ عَليّ فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك من الله عز وجل ، والله ما كان لي عُذر، والله ما كنت قطُّ أَفْرَغ ولا أَيسَر مني حين تَخَلَّفْتُ عنك. فقال رسول الله : «أما هذا فقد صَدَقَ، فقم حتى يقضي الله فيك». فقمت وبادرني رجال من بني سَلِمَة واتبعوني... فوالله ما زالوا يؤنّبوني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّب نفسي: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا ما قُلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شَهِدَا بدرًا لي فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسول الله المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة- من بين من تخلَّف عنه، فاجتنَبـَنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكَّرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة... فبينا أنا جالس... سمعت صارخًا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. فخررتُ ساجدًا، وعرفت أنْ قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا. فآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى الفجر... وانطلقت أَؤُمُّ رسول الله ... فلما سلمت على رسول الله قال وهو يَبْرُقُ وجهه من السرور: «أبشِر بخير يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك»! قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله»...وقلت: يا رسول الله! إنما نجّاني الله بالصدق، وإنّ من توبتي ألَّا أُحدّث إلا صدقًا ما بقيت... الحديث [متفق عليه].

[وقوله تعالى]: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ، أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجًا من أموركم، ومخرجًا.

الآية (120): يعاتب تعالى المتخلّفين عن رسول الله في غزوة تَبُوك، من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورَغْبَتِهِم بأنفسهم عن مواساته فيما حَصَل من المشقة، فإنهم نَقَصُوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم ﴿ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وهو العطش، ﴿ وَلَا نَصَبٌ وهو التعب، ﴿ وَلَا مَخْمَصَةٌ وهي المجاعة، ﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي: ينزلون منزلًا يُرهِبُ عدوَّهم، ﴿ وَلَا يَنَالُونَ منه ظَفرًا وغلبةً عليه، ﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بهذه الأعمال -التي ليست داخلة تحت قُدْرَتِهِم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم- [أعمالٌ صالحةٌ وثوابٌ جزيلٌ] [1] ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ .

الآية (121): ولا ينفق هؤلاء الغزاة في سبيل الله ﴿ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً أي: قليلًا ولا كثيرًا، ﴿ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا أي: في السير إلى الأعداء ﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ولم يقل «به» لأن هذه أفعال صادرة عنهم؛ ولهذا قال: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ الآية: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بُعدًا إلا ازدادوا من الله قُرْبًا.

الآية (122): هذا بيانٌ من الله تعالى لِـما أراد مِن نفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك؛ فإنه قد ذَهَبَ طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، وقال: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة:120]، قالوا: فنُسخ ذلك بهذه الآية. وقد يقال: إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقَّه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعيَّن. وبعده -صلوات الله وسلامه عليه- تكون الطائفة النافرة من الحيّ إما لِلتَّفَقُّه وإما للجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأحياء.

وقال ابن عباس: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي وحده، ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ يعني: عُصبة، يعني: السرايا، ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعَت السرايا، وقد نَزَل بعدهم قرآن تعلَّمه القاعدون من النبي ، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنًا، وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يقول: ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم، وليُعلِّموا السـرايا إذا رجعت إليهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . وقال الحسن البصري في الآية: ليتفقَّه الذين خرجوا بما يردُّهم الله من الظهور على المشـركين والنصـرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.