الآية (114): ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾ يعني: كلام الناس ﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك. عن أم كلثوم بنت عقبة: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيرًا، أو يقول خيرًا» وقالت: لم أسمعه يُرَخِّصُ في شيء ممَّا يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديثِ المرأةِ زَوْجَهَا. [رواه مسلم]. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين» قال: «وفساد ذات البين هي الحالقة» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: مخلصًا في ذلك، محتسبًا ثواب ذلك عند الله عز وجل ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ أي: ثوابًا جزيلا كثيرًا واسعًا.
الآية (115): ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ ﴾ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ، فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عَمْدٍ منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالَفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية فيما عُلم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم. والذي عوَّل عليه الشافعي في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تَحْرُم مخالفته هذه الآية الكريمة، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها. ولهذا توعَّد تعالى على ذلك بقوله: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نُحسّنها في صدره ونزيّنها له -استدراجًا له- كما قال تعالى: ﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم:44]، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ ﴾ [الصف:5]، وقوله: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام:110]. وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات:22-23].
الآية (116): عن علي أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾. وقوله: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبَعُدَ عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
الآية (117): وقوله: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ﴾ قال ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ﴾ قال: مع كل صنم جِنيَّة. وروى أيضًا عن عائشة: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ﴾ قالت: أوثانًا. وقوله: ﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ﴾ أي: هو الذي أمرهم بذلك وحسَّنه وزيَّنه لهم، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [يس:60].
الآية (118-119): وقوله: ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره، ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ أي: مُعَيَّنا مقدَّرًا معلومًا. ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ أي: عن الحق ﴿ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرُّهم من أنفسهم. وقوله: ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة. ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب. وقال الحسن البصري: يعني بذلك الوَشْم. عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشِمات، والنامصات والمُتَنَمِّصَات، والمُتَفَلِّجات للحُسْن، المغيّرات خَلْقَ الله عز وجل» ثم قال: أَلا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله عز وجل؛ يعني قوله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر:7] [متفق عليه]. وقال ابن عباس -في رواية عنه- ومجاهد، وعكرمة والنخَعي، والحسن، وقتادة، وغيرهم في قوله: ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ يعني: دين الله عز وجل. وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [الروم:30] على قول من جعل ذلك أمرًا، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفِطْرَة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرَانه، ويُمَجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعاء، هل تجدون بها من جدعاء؟» [متفق عليه]. وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾ أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها.
الآية (120-121): قوله: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ هذا إخبار عن الواقع؛ فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 22]. وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ أي: المستحسنون له فيما وعدهم ومَنَّاهم ﴿ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم ﴿ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص ولا مناص.