الآية (11-20): ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ أي: متواصلة الأمطار. رُوي عن عمر أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقرأ الآيات في الاستغفار. ومنها هذه الآية: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ﰀ ﰁ ﰂ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ ثم قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يُستَنْزَلُ بها المطر. وقال ابن عباس: يتبع بعضه بعضًا. ﴿ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وَأَدَرَّ لكم الضّرع، وأمدَّكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخلَّلها بالأنهار الجارية بينها. هذا مقام الدعوة بالترغيب. ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ أي: عظمةً. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال ابن عباس: لا تعظمون الله حق عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته، ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ قيل: معناه: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. ﴿ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴾؟! أي: واحدة فوق واحدة ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾ أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلًّا منهما أنموذجًا على حدة، ليُعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدَّر القمر منازل وبروجًا، وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر، ليدل على مُضيّ الشهور والأعوام؛ كما قال: ﴿ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﴾ [يونس:5]. ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ﴾ أي: إذا متُّم ﴿ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴾ أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴾ أي: بسطها ومهَّدها وقرَّرها وثَبَّتها بالجبال الراسيات الشُّمِّ الشامخات ﴿ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴾ أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم، من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية؛ فهو الخالق الرزاق، جعل السماء بناء، والأرض مهادًا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يُعبد ويُوحَّد ولا يشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له ولا عَديل له، ولا ندّ ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد، ولا وزير ولا مشير، بل هو العلي الكبير.
الآية (21-23): يقول تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى: أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غَفَل عن أمر الله، ومُتّع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام؛ ولهذا قال: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ﴾. ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ قال مجاهد: ﴿ كُبَّارًا ﴾ أي: عظيمًا. وقال ابن زيد: أي: كبيرًا. والمعنى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ أي: بأتـْبَاعِهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق والهدى؛ كما يقولون لهم يوم القيامة: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ﴾ [سبأ:33]. ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ هذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أمّا وَدّ: فكانت لكلب بدَومة الجندل؛ وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غُطَيف بالجُرُف عند سبأ، وأما يَعوقُ فكانت لهَمْدان، وأما نَسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم. ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عُبِدت [رواه البخاري].
الآية (24-25): ﴿ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقًا كثيرًا؛ فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم. وقد قال الخليل عليه السلام في دعائه: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ﴾ [إبراهيم:35-36]. ﴿ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [يونس:88]. وقد استجاب الله لكل من النبيَّيْن في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به. ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ أي: من كثرة ذنوبهم وعُتوّهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ﴾ أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، ﴿ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ﴾ أي: لم يكن لهم معين ولا مُغيث ولا مُجير ينقذهم من عذاب الله.
الآية (26-27): ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحدًا. وهذه من صيغ تأكيد النفي. قال الضحاك: ﴿ دَيَّارًا ﴾ واحدًا. وقال السُّدي: الديَّار: الذي يسكن الدار. فاستجاب الله له، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال: ﴿ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾ [هود:43].
﴿ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ ﴾ أي: إنك إن أبقيت منهم أحدًا أضلوا عبادك؛ أي: الذين تخلقهم بعدهم، ﴿ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ أي: فاجرًا في الأعمال كافر القلب. وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا.
الآية (28): ﴿ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴾ قال الضحاك: يعني: مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن. ﴿ﰉ ﰊ﴾ دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُم الأحياءَ منهم والأموات؛ ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح عليه السلام، وبما جاء في الآثار والأدعية المشروعة. ﴿ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ قال السُّدي: إلا هلاكًا. وقال مجاهد: إلا خسارًا، أي: في الدنيا والآخرة.