حجم الخط:

الآيات (105-118)

الآية (105-107): هذا تقريع من الله تعالى لأهل النار، وتوبيخ لهم على ما ارتكبوا من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أَوْبَقَتْهم في ذلك، فقال: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أي: قد أَرْسَلْتُ إليكم الرسل، وأَنْزَلْتُ عليكم الكتب، وأَزَلْتُ شُبَهكم، ولم يَبْقَ لكم حُجَّةٌ؛ كما قال: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ إلى قوله: ﴿ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:8-11].

ولهذا قالوا: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن نَنْقَاد لها ونَتَّبِعها، فَضَلَلْنَا عنها ولم نُرْزَقْهَا.

ثم قالوا: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ أي: رُدَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سَلَفَ منا، فنحن ظالمون مُسْتَحِقُّون للعقوبة؛ كما قالوا: ﴿ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴿١١ ذَٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:11-12] أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وَحَّدَه المؤمنون.

الآية (108-111): هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار، يقول: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا أي: امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلَّاء، ﴿ وَلَا تُكَلِّمُونِ أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا؛ فإنه لا جواب لكم عندي.

قال ابن عباس: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه.

ثم قال تعالى مُذَكِّرًا لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا أي: فَسَخِرْتم منهم في دعائهم إياي وتَضَرُّعهم إليّ، ﴿ حَتَّىٰ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي أي: حَمَلَكم بُغْضُهم على أن نَسِيتُم معاملتي.

﴿ وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ أي: من صنيعهم وعبادتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين:29-30] أي: يَلمِزُونهم استهزاءً.

ثم أخبر عمَّا جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم ﴿ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ بالسعادة والسلامة والجنة، والنجاة من النار.

الآية (112-116): يقول تعالى مُنَـبِّهًا لهم على ما أضاعوه في عُمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وَحْدَه، لو صَبَروا في مدة الدنيا القصيرة لفَازوا كما فَازَ أولياؤه الـمُتَّقون.

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ أي: الحاسبين، ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا أي: مُدَّةً يسيرةً على كل تقدير ﴿ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: لَـمَا آثرتم الفاني على الباقي، ولَـمَا تَصَرَّفتم لأنفسكم هذا التَّصرُّف السّيئ، ولا استحققتم من الله سُخْطَهُ فِي تِلْكَ الْـمُدَّة اليسيرة، ولو أنكم صَبَرتُم على طاعة الله وعبادته -كما فَعَل المؤمنون- لفُزْتُم كما فَازوا.

وقوله تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا أي: أفَظَنَنْتُم أنكم مخلوقون عَبَثًا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، وقيل: للعَبَث، أي لتَلْعَبوا وتَعْبَثوا كما خُلِقَت البهائم؛ لا ثوابَ لها ولا عقابَ، وإنما خَلَقْناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل.

﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ أي: لا تعودون في الدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]، يعني هَمَلًا.

وقوله: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ أي: تقدَّس أن يخلق شيئًا عَبَثًا؛ فإنه الْـمَلِك الـحَقُّ الـمُنَزَّه عن ذلك، ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فذَكَرَ العَرش لأنه سَقف جميع المخلوقات، ووَصَفه بأنه كريم؛ أي: حَسَنُ المنظر بَهِيُّ الشَّكْل؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان:10].

الآية (117-118): يقول تعالى مُتَوَعِّدًا مَن أَشرَكَ به غيره، وعَبَدَ معه سواه، ومخبرًا أن من أَشرَكَ بالله ﴿ لَا بُرْهَانَ لَهُ أي: لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: ﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي: الله يُحاسِبه على ذلك.

ثم أَخبرَ: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ أي: لديه يوم القيامة، لا فلاح لهم ولا نجاة.

وقوله: ﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ هذا إرشاد من الله إلى هذا الدعاء؛ فالغَفْرُ -إذا أُطْلِق- معناه: مَحوُ الذنب وسَتْرُه عن الناس، والرحمة معناها: أن يُسَدِّدَهُ وَيُوَفِّقَهُ في الأقوال والأفعال.