الآية (1-5): يُخْبِرُ تعالى أنه نَزَّلَ الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ووَصَفَ نفسه بالعِزَّة التي لا تُرَام، والحكمة في الأقوال والأفعال.
ثم قال تعالى: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ أي: لا على وجه العَبَث والباطل.
﴿ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي: إلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.
قوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ أي: لَاهُون عمَّا يُرَاد بهم، وقد أَنزلَ الله تعالى إليهم كتابًا، وأرسل إليهم رسولًا، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غِبَّ ذلك.
ثم قال: ﴿ قُلْ ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: ﴿ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي اسْتَقَلُّوا بخلقه من الأرض.
﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ أي: ولا شِرْك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إنِ الـمُلْك والتَّصرُّف كلُّه إلا لله عز وجل ، فكيف تعبدون معه غيره، وتُشْركُون به؟! من أَرْشَدَكُم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أَمَرَكم به؟! أم هو شيء اقْتَرَحْتُمُوه من عند أنفسكم؟! ولهذا قال: ﴿ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ﴾ أي: هاتوا كتابًا من كُتُب الله الـمُنْزَلَة على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يأمركم بعبادة هذه الأصنام.
﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي: دليل بَيِّن على هذا الـمَسْلَكِ الذي سَلَكْتُمُوه ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: لا دليل لكم نَقْلِيًّا ولا عَقْلِيًّا على ذلك؛ ولهذا قرأ آخرون: «أو أثَرَةٍ مِن علم» أي: أو عِلْم صحيح يَأْثُرُونَه عن أحد ممَّن قبلهم.
كما قال مجاهد في قوله: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ﴾: أو أحد يأثُر عِلمًا. قال ابن عباس: أو بيّنةٍ من الأمر. وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من عِلم. وقال الحسن البصري: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ ﴾ شيء يستخرجه فَيُثِيرُه. وقال ابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضًا: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ﴾ يعني الخط. وقال قتادة: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ﴾: خاصة من علم. وكل هذه الأقوال متقاربة، وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ أي: لا أَضَلُّ ممَّن يدعو أصنامًا، ويَطْلُب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عمَّا يقول، لا تَسْمَع ولا تُبْصِر ولا تَبْطِش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ.